أصبح من بديهيات الوضع الدولي الراهن أن الولايات المتحدة الأميركية هي «الدولة الأعظم»، في مرحلة اختلال توازن القوى وموازين القيم الإنسانية والأخلاقية، فأميركا هي الدولة الأعظم عسكريا، ليس فقط بحجم وتنوع ما تمتلكه من أسلحة فتك ودمار، وإنما أيضا لأنها الدولة الأكثر استعداداً لاستخدام قوتها العسكرية في أي زمان ومكان وضد أي كان، من هيروشيما وناغازاكي إلى العراق وأفغانستان والصومال.
كما أنها اكبر قوة اقتصادية في عالم اليوم، حتى الآن، رغم حجم الدين العام الهائل والعجز المتصاعد في الميزانية الاتحادية الذي وصل إلى حدود قياسية غير مسبوقة. وهي في الوقت ذاته، أكثر الدول تطوراً في مجال التكنولوجيا الصناعية والحيوية، رغم تناقص الفجوة بينها وبين بعض الدول الأخرى في هذا المجال، كاليابان على سبيل المثال.
وبالإضافة إلى ذلك فإن الدستور الأميركي، مجرداً من الاعتبارات السياسية، يعتبر نموذجا لحماية الحريات العامة والفصل بين السلطات وتحديد صلاحيات ومجال عمل كل منها، بما في ذلك سلطات الرئيس على رأس هرم السلطة التنفيذية.
وعلى مدى عقود اعتبرت أميركا نفسها، واعتبرها البعض كذلك، «زعيمة العالم الحر» و«حامي حمى الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان» في العالم اجمع.
لكن الواقع السياسي والأمني في الولايات المتحدة اليوم، وخاصة منذ أحداث 11 سبتمبر 2005، يبدو مغايرا كليا لما تتمتع به من تفوق عسكري واقتصادي وتكنولوجي، كما انه يناقض الصورة التي حاولت أميركا طويلا، وحاول معها آخرون، أن ترسمها لنفسها وترسخها في أذهان الناس!
فقد ظهرت أميركا في ممارساتها الداخلية وتعاملها مع العالم الخارجي، وكأنها دولة «عالمثالثية» تكاد تتحول إلى نظام حكم بوليسي، مثل غيرها من دول العالم الثالث الموصوفة بالدكتاتورية والاستبداد.
فالمواطن الأميركي في عهد إدارته الحالية أصبح خاضعاً للرقابة المخابراتية، وخارج إطار القانون، على جميع اتصالاته الهاتفية ومراسلاته الالكترونية، كما أن الكثير من المواطنين الأميركيين يتعرضون باستمرار لانتهاك حرياتهم وحقوقهم الوطنية والإنسانية، كما يتعرضون للتمييز العنصري والديني، خاصة إن كانوا من ذوي البشرة السمراء أو من أصول شرق أوسطية وشرقية عموما.
أما غير الأميركيين من مواطني الدول الأخرى (خاصة الإسلامية) الذين قد يأتون إلى الولايات المتحدة للدراسة أو السياحة أو لأي سبب مشروع آخر، فإن تهمة «الإرهاب» غالبا ما تكون في انتظارهم، ومن يشتبه فيه يعتبر مذنباً حتى يثبت العكس، وقد لا يثبت أبداً!
ولو أن الأمر اقتصر على مواطني أميركا وبقي ضمن الحدود الإقليمية للولايات المتحدة، فربما أمكن اعتباره شأناً داخلياً يخص الأميركيين ومؤسساتهم السياسية والدستورية ومجتمعهم المدني.
لكن أميركا المنتشرة عسكريا في مختلف مناطق العالم والمهيمنة سياسيا على مقابض صنع القرار الدولي، عممت ممارساتها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية حيثما حل جنودها ووصل نفوذها، وبالتالي لم يعد الأمر يخصها وحدها، إلا إذا اعتبرنا أن العالم كله بات «شأنا داخليا» أميركيا!
لقد أصبحت السجون والمعتقلات العديدة التي تسيطر عليها أميركا خارج أراضيها، مثل معتقل غوانتانامو وغيره الكثير، عارا على الإنسانية كلها وخروجا على كل القيم الحضارية والإنسانية وابسط الحقوق القانونية، بما في ذلك قيم الحرية والمبادئ الدستورية في الولايات المتحدة الأميركية نفسها. ولا يزال المعتقلون والسجناء في المعسكرات الأميركية غير القانونية ينتظرون المجهول!
إن مستوى الحرية والديمقراطية في أي بلد لا يقاس بالمضامين الدستورية وحدها ولا بالشعارات والدعايات الإعلامية، وإلا لأصبح كل الدكتاتوريين والمستبدين في العالم وعبر التاريخ، رسل محبة وحمائم سلام ووئام. إنما تقاس الحريات بما يطبق على ارض الواقع من ممارسات فعلية والتزام بالنصوص والمبادئ الدستورية والقانونية، فذلك هو المعيار الحقيقي والوحيد لمدى الحرية ومستوى الديمقراطية.
وإذا كان «بلد الحريات والديمقراطية» يعاني رئيسه (حسب استطلاعات الرأي فيه) انخفاضا غير مسبوق في شعبيته ويواجه معارضة برلمانية وشعبية تشكك في قدراته القيادية، بينما يصر الرئيس على مواقفه وسياساته متحججا أحيانا ب«إلهام من السماء» يأتيه وأحيانا أخرى بأنه «صاحب القرار النهائي وحده»، حتى ولو كان من بين المشككين قادة وخبراء عسكريون يخضعون لإمرته.
فما الذي يبقى بعد ذلك للحاكمين والمتسلطين في العالم الثالث ودوله النامية؟!إن الاستبداد خطر في كل حال وعقبة في وجه التقدم والاستقرار لأي مجتمع يصاب به، لكنه حين يصبح على مستوى عالمي تتحول المصيبة إلى كارثة تهدد البشرية كلها وتقودها إلى الهلاك.ولا شك أن العالم الذي يعاني سيلا من الحروب والصراعات التي تستنزف قدراته وموارده ومواهبه كذلك، ليس بحاجة إلى سلطة استبدادية تتحكم فيه وتقوده لمزيد من القهر والاستنزاف.