شهدت الساحة الإسرائيلية مؤخّراً (21 ـ 24 يناير) انعقاد مؤتمر «هرتسليا» السنوي، وهو السابع من نوعه، الذي يبحث في موضوع: «ميزان المناعة والأمن القومي» لإسرائيل. وينظم هذا المؤتمر «معهد السياسة والاستراتيجية» و«مدرسة لاودر للحكم والدبلوماسية والإستراتيجية»، في «المركز متعدد المجالات» في هرتسليا.
ويحظى هذا المؤتمر، الذي بات من أهم المنابر في إسرائيل، على اهتمام إسرائيلي وإقليمي ودولي كبير، إذ يشارك فيه أركان الحكومة الإسرائيلية وخبراء في السياسة والاقتصاد والأمن، من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وكندا وبعض الدول الأوروبية، وهو يختص بتفحّص ومناقشة التحديات والمخاطر والخيارات التي تواجهها إسرائيل، في كل مرحلة.
وقد ناقش هذا المؤتمر، خلال السنوات السابقة، موضوعات عديدة في مختلف المجالات، مثل: «الخطر الديمغرافي الفلسطيني»، وكيفية محاربة الانتفاضة، ومكافحة الإرهاب، وصدّ التهديد الإسلامي، ومواجهة تداعيات الحرب الأميركية ضد العراق، والتصدي لانتشار أسلحة الدمار الشامل، وانتهاج استراتيجية الردع (وليس فقط استراتيجية الدفاع) في المجال الأمني. كما بحثت أوضاع إسرائيل الداخلية، من منظور:«ميزان المناعة والأمن القومي».
حيث تمت مناقشة سبل تنشيط الهجرة اليهودية، ورفع مستوى التعليم والبحث التكنولوجي، وطرح في هذا السياق ما اصطلح عليه «مقاييس هرتسليا»، وهي مقاييس اجتماعية واقتصادية وعسكرية تقارن بين إسرائيل والدول المتطورة والدول المحيطة.
أما مؤتمر هرتسليا السابع، فقد ركز دراساته على البحث في إيجاد بدائل جيو- إستراتيجية لإسرائيل في الساحة العالمية، وسبل إنعاش الحوار الإستراتيجي بينها وبين الولايات المتحدة، وضرورة تجديد الجيش وتعزيز قوته، وكيفية مواجهة إيران، وعبر حرب لبنان الثانية، وتغير بنية النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، والارتقاء بالتعليم، والإسقاطات السياسية لبعض النزعات الاقتصادية في المنطقة، ومناعة إسرائيل المالية، ومستقبل اقتصادها، وأمن تزودها بالطاقة، والهوية اليهودية كمناعة قومية، ومحاربة ظواهر إلغاء شرعية الدولة اليهودية والمعركة على الرأي العام، والقانون، ونظام الحكم والمناعة القومية.
ويبدو أن المداولات والبحوث التي جرت في المؤتمر (وبالطبع لا يمكن هنا الإحاطة بجميعها) ركزت كثيرا على تزايد الدور الإقليمي لإيران، وعلى تداعيات حرب لبنان على إسرائيل، وبيئتها الأمنية، كما ركزت على مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين.
هكذا مثلا طغى الحديث عن إيران على الكلمة الختامية التي ألقاها ايهود اولمرت (رئيس الحكومة الإسرائيلية) في المؤتمر، والتي تحدث فيها عن عداء إيران لإسرائيل، وسعيها لتملك السلاح النووي، ودعمها لحزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين.
وقال اولمرت: «لسنا مطمئنين.. ونتعامل مع التهديد الإيراني بخطورة بالغة..الشعب اليهودي لا يمكنه أن يسمح لنفسه أن يكون تحت تهديد آخر على مصيره. في الماضي سكت العالم والنتائج معروفة، مهمتنا منع عودة الخطأ مرة أخرى..إيران اليوم، التي تدار على يد تطرف أيدلوجي، هي التي اختارت مواجهتنا«. وأشار اولمرت إلى أهمية قيام جبهة من إسرائيل وبعض الأنظمة العربية المعتدلة مع الولايات المتحدة والدول الغربية ضد الخطر الإيراني.
أيضا فقد ركزّ الجنرال موشيه يعلون رئيس أركان الجيش الإسرائيلي (سابقا) على الخطر الإيراني، إلى حد أنه اعتبر بأن «حرب الحضارات بين الغرب والإسلام هي الحرب العالمية الثالثة. إذا كان الغرب محبا للحياة، فلا مفر من المواجهة مع النظام الإيراني».
ومن جهته فقد أجمل عمير بيريتس (وزير الدفاع وزعيم حزب العمل) التحديات التي تواجهها إسرائيل بقوله: إن إسرائيل تعمل على عدد من الجبهات: لبنان، السلطة الفلسطينية وإيران. وهذه الجبهات تشكل نقاط اختبار لاحتمال التصعيد والتدهور، خاصة إزاء حزب الله وسوريا. وقال إن هذه أخطار مشتركة مع الجهات المعتدلة في المنطقة مما يفرض على إسرائيل استغلال لقاء المصالح هذا لمواجهة الخطر الاستراتيجي المتمثل بإيران والقوى المتطرفة.
وعرض بيرتس في كلمته لخطة سلمية مع الفلسطينيين، من ثلاث مراحل، تقوم على الدمج بين خطة كلينتون وخريطة الطريق والمبادرة العربية للسلام، لإقامة دولة فلسطينية، ولتعزيز نقاط الالتقاء مع الجهات العربية المعتدلة. وخلص إلى أنه يجب على إسرائيل أن تتأهّب في الجبهة الشمالية لكل سيناريوهات المواجهة مع حزب الله وفي الوقت نفسه الإصغاء للدعوات المنطلقة من دمشق بحيث يمكن التوصل إلى تسوية تخرج سوريا من دائرة القتال.
أما بنيامين نتانياهو (زعيم حزب الليكود) فقد حدد في خطابه أمام المؤتمر ثلاث مهمات للحكومة الإسرائيلية: حملة دولية ضد إيران وإسقاط «حماس» وترميم الردع. وبحسب نتانياهو فإن «إسقاط الحكومة الفلسطينية يجب أن يكون هدفنا المركزي في العلاقة مع الفلسطينيين، بدون إجراء مفاوضات وبدون تقديم تنازلات..فقط من خلال إسقاط حماس يمكن إتاحة المجال لصعود قوى معتدلة أكثر، وعندها يمكن الحديث معهم حول علاقات سلام وجوار.
يجب عدم تقديم تنازلات طالما ظلت حركة حماس في السلطة.الانسحابات أحادية الجانب فشلت وأدت إلى صعود قوى الإسلام الراديكالي وتقريب مواقع إطلاق الصواريخ باتجاه المدن الإسرائيلية. أما بالنسبة لإيران فقد طالب نتانياهو بنزع شرعية النظام الإيراني وتجنيد الجبهة الدولية ضد إيران.
وتقديم الرئيس الإيراني إلى المحاكمة. كما طالب بالعمل ضد إيران على المستوى الاقتصادي. وفي مجال استعادة إسرائيل لهيبة الردع، طالب نتانياهو بتقوية الجيش الذي «سيعرف كيف سيصحح الأخطاء..والتحقيقات الجارية هي مؤشرات قوة لا ضعف...ثمة عبر يجب استخلاصها وثمة حاجة لاتخاذ قرارات صعبة وصحيحة وتطبيقها.
إن ترميم قدرات الردع وبناء «القوة الضاربة» لإسرائيل لتواجه تحديات القرن الحادي والعشرين يحتاجان موازنات هائلة لا بد أن يوفرها النمو الاقتصادي المتسارع. وأضاف: إن العظَمة العسكرية مرتبطة بقوة الاقتصاد، وقوة دولة تقاس أولا وقبل قوتها العسكرية بمتانة اقتصادها، وعليه فإن مواصلة دفع النمو الاقتصادي الإسرائيلي شرط أساسي وضمانة لأمننا ولمناعتنا القومية».
وبما يتعلق بتداعيات حرب لبنان فقد اعتبر موشي يعلون في خطابه أمام المؤتمر بأن «إخفاقات الجيش الإسرائيلي في حرب لبنان ليست مشكلة منظوماتية للجيش الإسرائيلي، بل إخفاقات قيادية ستحل مع التنقلات الشخصية..السلوك العسكري والسياسي في الحرب كان فاشلا..على اولمرت وبيرتس أن يستقيلا».
أما وزير الدفاع عمير بيريتس فأشار إلى أن إسرائيل اليوم تشهد «حرب ما بعد الحرب» جراء المخاطر الداخلية والخارجية المهمة التي تتعرّض لها. واعتبر انه على الصعيد الخارجي هناك محاولة من إسرائيل للمحافظة على إنجازاتها في حرب لبنان في وجه محاولات حزب الله لإعادة تعزيز قواته. ونوه إلى أن «حرب لبنان حققت إنجازات مهمة في مقدمتها:
تغيير وجه الواقع في الجنوب اللبناني، إضعاف حزب الله ونشر الجيش اللبناني والقوات الدولية في الجنوب». وكان النائب العمالي متان فيلنائي، وهو جنرال في الاحتياط ونائب سابق لرئيس هيئة أركان الجيش، وجه انتقادات حادة للجيش وتساءل كيف يمكن لجيش مدرب ومسلح ويعرف الأرض اللبنانية كما يعرف راحة يده أن يفشل في تحقيق أهدافه؟. ودعا فيلنائي إلى تغييرات جذرية في مبنى وطريقة عمل الجيش وتحاشي الاستهتار بالعدو منوها بأهمية إخضاعه للرقابة المدنية ومضاعفة ميزانياته. وشدد على إخراج السياسة من الجيش.
الآن وبغض النظر عن موضوعات وتوظيفات مؤتمر «هرتسليا» فإن هذا المؤتمر، وغيره من المؤتمرات البحثية الاستراتيجية المماثلة، تؤكد مدى اهتمام قادة إسرائيل بمراجعة أوضاعهم، والكشف عن سلبياتهم، ونقد نقاط ضعفهم، ووضع الخطط والخيارات والبدائل لها، في إطار سعيهم لتكييف إسرائيل وتقوية قدراتها على مواجهة الأزمات والمخاطر التي تضعفها أو تتهددها من الداخل ومن الخارج؛ وهو ما تفتقد له الساحة العربية (على الأغلب) برغم ما يحيق بها من مخاطر وتحديات!
كاتب فلسطيني