بدعوة كريمة من معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، ومع مجموعة من الاخوة والأصدقاء توجهنا إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، لم تكن هذه الرحلة كغيرها من الرحلات والسفريات، كانت زيارة إلى أشرف وخير البقاع ومع خير صحبة ورفقة.انطلقنا من مطار أبوظبي إلى المدينة المنورة، وقضينا ليلة هناك ثم توجهنا إلى مكة المكرمة لأداء الفريضة، أرجو من الله العلي القدير أن يتقبلها منا.
لاشك أن الحج فرض على كل مسلم وركن من أركان الإسلام لمن استطاع إليه سبيلا، وقد اتيحت لي هذه الفرصة الطيبة من شخصية كريمة لأداء الفريضة لأول مرة في حياتي، وما عشته وتعلمته هناك كان الشيء الكثير، واستفادتي كانت في ديني ودنياي، فبمجرد وصولك إلى الديار المقدسة تعيش أجواء روحانية وتحس بأنك أقرب إلى الله، وتتوحد مع ملايين المسلمين بلباس واحد، وهدف واحد ونية واحدة يتواصل فيها الجميع مع الله بالذكر والدعاء.
وبعد أداء الفرائض كنا بعد كل صلاة، نجتمع لنستمع إلى ندوات عن الحج وفوائده من الشيخين الكريمين الدكتور «أحمد الكبيسي» و«الحبيب علي الجفري» اللذين منّ الله علينا برفقتهما الطيبة في هذه الرحلة، فكانت دروسهما ممتعة ومفيدة. وكانت احاديثهما عن الدين والدنيا، وواجبات كل مسلم في دنياه، وماذا عليه أن يعمل من أجل آخرته.
كما كان الحديث يتضمن حوارات وأسئلة من المجموعة، واستطيع أن اقول عن لسان كل من سألته انه استفاد مثلي الشيء الكثير فجزاهما الله عنا خير الجزاء، ونفع بعلمها البلاد والعباد، وبكل تأكيد الشكر والعرفان لصاحب الفضل معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان الذي استطاع بشخصيته المتواضعة والمحبوبة جمعنا معا.
إن كل مسلم يذهب إلى البقاع الطاهرة، لا يمكنه الا ان يقف إجلالاً وتكبيراً لعظمة الخالق سبحانه وتعالى، الذي تقف بين يديه هذه الأعداد الهائلة من المسلمين من كل جنس ولون ومن كل انحاء العالم، وبعضهم من قارات بعيدة، ومنهم من لا يملك الا قوت يومه، ويدخر منذ زمن من أجل فريضة الحج، ومنهم من يتحمل عناء السفر وهو مشلول الحركة مرفوع على الأكتاف، أو يعاني من إعاقة.
أو في تجاوز عمر الكهولة، ويسافر آلاف الأميال، وكله ايمان بواجب أداء الفريضة، وحباً في التقرب إلى الله، واغلبهم لا يبالي بالتعب أو بمشكلات الخدمات اليومية هناك، بقدر ما هم مؤمنون بأن طاعة الله هي السبيل إلى الراحة، وبكل تأكيد نحن أكثر نعمة ممن سبقونا، فاجدادنا كانوا يأتون للحج على الجمال والبغال، أو سيراً على الأقدام، وقد كانت الرحلة تستغرق أشهراً يتعرضون خلالها للجوع والعطش والمرض.
أما الآن فالتطور والتقدم التكنولوجي، سهلا متاعب السفر فأغلب الحجاج يستقلون الطائرة للوصول إلى هناك والراحة المتوفرة الآن في الأجواء تكاد تنسيهم مدة الرحلة وعناءها وتعبها التي عانى منها أجدادنا، مع أن هناك آلافاً من الحجاج لا يزالون يستقلون الباخرة أو السيارة، إلا أنهم كما قلت أحسن حظاً ممن سبقوهم.
لقد كنت دائماً أسمع من حجاج كثيرين عن المشاكل اليومية التي يواجهونها أثناء أدائهم الفريضة، وعن قلة الخدمات المتوفرة هناك، وفي الحقيقة إن من يريد أداء الفريضة يجب أن يتوقع المتاعب وليس المهم أن تكون الخدمات بأعلى المستويات، فالمسؤولون في مكة المكرمة وفي المدينة لم يألوا جهداً لتوفير كل سبل الراحة الممكنة وتفادي بعض النواقص.
وبشهادة بعض الحجاج فإن كل عام تضاف خدمات جديدة لتلبية طلباتهم، إلا أن ارضاء ملايين من الحجاج والذين وصل عددهم في هذه السنة إلى حوالي مليونين وسبعمئة ألف أمر صعب، فكل إنسان يختلف عن الآخر بطباعه وعاداته اليومية وأسلوب حياته، لذا فالمسؤولية في وجود أي تقصير مشتركة بين الطرفين، لكن ماذا عن المستقبل؟
فكما نعلم أن عدد المسلمين في العالم حالياً حوالي مليار ومئتي مليون مسلم، ولو فرضنا أن نسبة 20% في استطاعتهم حج بيت الله الحرام سنوياً، فهل بالإمكان السماح لمئتي مليون مسلم بالحج وكيفية استيعاب هذا العدد؟
نتمنى ذلك والله في عون المسلمين وفي عون المسؤولين في المملكة العربية السعودية ،وبالذات المسؤولون في مكة المكرمة والمدينة المنورة.
كاتب إماراتي
sultan654@hotmail.com
