بعد سبعة أشهر بالتمام والكمال من وقوع الجريمة الأخلاقية وانتهاك القوانين الدولية وبنود الاتفاقية مع واشنطن بدأت صحيفة أميركية في تسليط الضوء على استخدام اسرائيل للقنابل العنقودية ضد المدنيين في جنوب لبنان، وبالامس اعلنت وسائل الاعلام أن اسرائيل ارسلت بالونات غازات سامة إلى لبنان، وفي ظل الانتهاكات تدافع اسرائيل ضد الانتقادات ذلك الدفاع الهش بأن هذه الانتهاكات هي دفاع عن النفس فهل القنابل العنقودية التي انفجرت في الاطفال والبالونات التي أصابت المدنيين بالتسمم والاعياء كانت دفاعا عن النفس ؟ ودفاع ضد ماذا؟ هل هذه الممنوعات تفرق بين المدني والعسكري، أو بين المقاوم وعابري السبيل؟

وحين أعلنت قوات اليونيفيل عن الانتهاكات، لماذا لم تطالب بمعاقبة اسرائيل ما دامت ضبطتها متلبسة بالجرم المشهود؟ بالطبع هذه الاسئلة لا يراد لها إجابة لان الاجابات ان جاءت من جانب المعتدين أو المؤيدين لهم فستكون بمثابة العذر الاقبح من الذنب.

لكن التساؤل الاكثر غرابة هو لماذا تقبل دول عظمى على نفسها ان تنافق وتساعد دولة حليفة لهم على العدوان غير المقطوع على هذا النحو الذي نراه من الاوروبيين والاميركيين لاسرائيل؟ لماذا يوفرون لها الغطاء والتبرير في كل مرة؟

نحن بحاجة إلى التوقف برهة لنفهم حقيقة تفكير هؤلاء الساسة في الولايات المتحدة واوروبا وما هي صورة الطرف الآخر الذي هو العرب والفلسطينيون في اذهانهم؟

حين دفعت المانيا بقواتها الى جنوب لبنان صرحت انغيلا ميركل ان هذه القوات هي لحماية أمن اسرائيل وحقها في الوجود وأعلنت انحيازها المطلق لاسرائيل قائلة (لسنا محايدين ولا ينبغي ان نكون كذلك) وحين اصبحت المانيا رئيسة الاتحاد الاوروبي صرحت ميركل بأنها ستبذل ما في وسعها لاعطاء دفعة للجنة الرباعية في إيحاء بأنها عازمة على المساعدة في حل النزاع بل واستقبلت عباس في دافوس وتعتزم زيارة عواصم عربية عدة في المنطقة، فماذا ستقول للقادة العرب وهي التي اعلنت انحيازها لأحد طرفي الصراع، وهل تستطيع أن تطلب من اسرائيل وقف الاستيطان كمقدمة لتنفيذ خارطة الطريق واحياء عملية السلام؟

لقد اقرت اسرائيل باستخدام القنابل الانشطارية ضد اللبنانيين رغم ان القانون الاميركي يمنعها من ذلك، بل لقد اعترفت بأنها القت مليون قنبلة انشطارية خلال العدوان الأخير على لبنان في يوليو واغسطس من العام الماضي. وبدلا من ان تلجأ واشنطن الى فرض عقوبات على اسرائيل ها هو المتحدث باسم الخارجية الاميركية (شون ماكورماك) ينبري للدفاع عن اسرائيل في هذه الفضيحة كمقدمة لتبرئتها من تهمة انتهاك اتفاقات صادرات الاسلحة المبرمة بينها وبين واشنطن.

وأمام ثقتها بالبراءة أرسلت اسرائيل بالوناتها السامة لتصيب سكان النبطية وصور ثم تنكر مرة اخرى مسؤوليتها عن إرسالها. وحين وقعت عملية تفجير في إيلات امس حاولت اسرائيل توسيع دوائر الاشتباه لتشمل محاولات تسلل من دول عربية مجاورة رغم نفي هذه الدول وقوع التسلل، ونحن بدورنا ندين العملية التي استهدفت مدنيين، لكن كان ينبغي ان يدين الاوروبيون والاميركيون بشدة اعتداءات اسرائيل ومجازرها في لبنان وفلسطين وبصوت واضح ومحدد حتى تجد احاديثهم عن تحريك سلام الشرق الاوسط بعض المصداقية، وطالما هم يلفون ويدورون ليتجنبوا إدانة اسرائيل فسيبقى حديثهم عن السلام محض هراء.