لا شيء على أرض الواقع في المنطقة، يشير إلى تغيير في نمط تفكير الإدارة الأميركية، يراجع الحسابات ويعالج الأخطاء التي جلبت الويلات وامتدت تداعياتها وصولاً إلى الولايات المتحدة نفسها، ما يؤكد أن ما تفعله إدارة بوش، ليس أخطاء استراتيجية وسياسة كفيفة، وإنما هي الترجمة العملية لاستراتيجية أميركية ـ صهيونية هدفها الأساس السيطرة على الشرق الأوسط وعلى منابع النفط وإشغال المنطقة بالفتن الطائفية والمذهبية وتحويل الصراع مع إسرائيل نهائياً إلى صراعات داخلية تخلط الأوراق وتعيد ترتيب المنطقة وفق منطلقات وشعارات: الفوضى الخلاقة ـ الشرق الأوسط الجديد ـ نشر الديمقراطية.. إلخ والتي تفتق عنها ذهن هذه الإدارة المغامرة إلى درجة المقامرة.
الأمثلة كثيرة والدلالات عليها لا تحتاج كثير عناء، ففي لبنان يتضح المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي منذ ما قبل عدوان الصيف بأنه تقسيمي يلعب على عامل الفتنة الطائفية والمذهبية كتوطئة لتحويل لبنان إلى جسر عبور، يهدد سورية، والسفير الأميركي فيلتمان وسفارته تحولا إلى ما يشبه حكومة الظل التي تحدد ما هو الصح وما هو الخطأ للشأن اللبناني.
والعنوان الآخر لهذ المشروع الاستعماري، وهو نشر الديمقراطية، سرعان ما سقط في فلسطين وتوضحت نيّاته الحقيقية بعد تشكيل حكومة فلسطينية منتخبة وكيف أنها حوصرت وعوقب الشعب الفلسطيني جماعياً وبشكل مقصود، لتأليبه على حكومته والتمهيد لاقتتال داخلي يعمم الفوضى في الشارع الفلسطيني ويريح إسرائيل ويهيئ لها إمكانات ترسيخ الاحتلال وتوسيع المستوطنات واستكمال سلخ القدس.
وهذا الشعار يعرّف القاصي والداني وشريحة كبيرة من الأميركيين إلى أين أوصل العراق، وكيف أصبح مثالاً فاضحاً للسياسة الأميركية المنقلبة على المفاهيم الإنسانية والأخلاقية والقانونية التي تؤكد أن العراق دولة ذات سيادة وليست أرضاً مستباحة للاحتلال والتقسيم وقاعدة لتهديد الجيران.
وفوق كل هذا.. ثمة مؤشرات على اندفاعة عسكرية أميركية يجري الإعداد لها حالياً عبر إرسال حاملة طائرات إلى الخليج ونشر صواريخ باتريوت قد تكون «سيناريو» آخر لمغامرة ضد إيران أو لتعزيز احتلالات منابع النفط.. هذا السيناريو زاد قلق ومخاوف أوساط أميركية مختلفة، حتى إن السيناتور جوزيف بايدين رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس وصف بالأمس الرئيس بوش بأنه بلا مصداقية، وحذّره من الإقدام على مواجهة مع إيران، كما تجسد ذلك في التظاهرات الأميركية قبل أيام.
وبعد.. إلى متى تتحمّل شعوب المنطقة وزر هذا العبث الأميركي في شؤونها؟.