هذه المرة لا يتمتع لبنان بالفرادة... وإن تميّز بشرف السبق والريادة!!
فليس اللبنانيون وحدهم هم الذين يعيشون «في ظلال الخوف»، ومن الذات تحديداً، بل إن الكثرة الكاثرة من العرب (العاربة أو المستعربة، لا فرق) يعيشون حيثما وُجدوا، في المشرق بأقطاره جميعاً وفي المغرب، أدناه وأقصاه، وفي العمق الأفريقي (حتى لا ننسى الصومال وما جاوره وصولاً إلى جيبوتي)... حالة غير مسبوقة من الخوف القاتل لحب الحياة، لأن مصدره «الداخل» وليس «الخارج»!
من العراق وجواره الذي يشمل أقطار الجزيرة والخليج، وصولاً إلى اليمن الذي كان سعيداً ذات يوم، إلى فلسطين التي كانت «القضية» وكعبة النضال العربي جميعاً، يتم تهييج العصبيات القومية والعرقية والدينية، فإن تعذر ذلك تمّ اللجوء إلى السلاح الذي لا يفل: الفتنة الدينية بين أبناء الدين الواحد وإن تعددت فيه المذاهب... بل وبين أبناء المذهب كما نشهد في فلسطين، بابتداع أسباب «سياسية» مموهة بالتهمة المذهبية!
الخوف واحد، والمصدر ـ هذه المرة ـ «الداخل»، و«داخل الداخل»، وليس ـ من أسف ـ «الخارج»، سواء أكان إسرائيلياً ـ صهيونياً أم أميركياً ـ إمبريالياً... وكل هذا «الخارج» يتطلع إلى ما يجري بفرح ممزوج بعظيم الدهشة: إنه ينال الجائزة الكبرى من دون جهد يذكر! إنهم يوفرون عليه الجهد الذي كان يتردد في بذله، بسبب من يأسه في جدواه... إذ يندفع الأخوة إلى الاقتتال من دون مبررات منطقية مقبولة، تتصل بالحاضر، فينهكون بعضهم البعض ولا يعود «الخارج» بحاجة إلى جهد كبير من أجل الهيمنة عليهم. بل إن كثيراً من هذه الأطراف لا تتورع عن طلب نجدة هذا «الخارج» لحمايتها من الأشقاء والشركاء في الأرض وفي السماء، في الماضي والحاضر وفي المستقبل... فتقاتل تحت راياته «الاستعمارية» ضد أحلام الآباء والأجداد، وضد أمنيات الأبناء، في التحرر والسيادة والاستقلال، ولا نذكر «الوحدة» التي غدت بين الأوهام، بل لعلها باتت توازي «الخيانة» أو تتجاوزها في التنكّر لمصلحة الطائفة أو المذهب.
إن شبح الخوف من الذات يكاد يعطل الحياة في معظم أرجاء الوطن العربي، ولا سيما مشرقه، معطلاً الإرادة والعقائد اليقينية، وأُولاها الإيمان... يشكك الأخ بأخيه، الزوج بزوجته، الأبناء بأجدادهم، والكل بوحدة الانتماء، فرعاً وأصلاً، ووحدة المصير، ولو مختلفين!
فجأة، وبمثل السحر، استعيدت الصفحات السوداء من التاريخ العربي ـ الإسلامي، بكل ما أدخل عليها من إضافات مفجّرة في عصور الانحطاط الطويلة، لاستحداث شرخ عظيم في العلاقات الإنسانية داخل الأسرة الواحدة، وبين من تجمعهم صلات الرحم، بين الجيران وأصدقاء العمر، بين شركاء الأيام الصعبة والأحلام الجميلة بالغد الأفضل، حتى يكاد الأخ ينكر أخاه، والأهل يتنكرون لبعضهم بعضاً، والكل يحاول أن ينجو بنفسه من تهمة الانتماء للوطن!
لم يعد «الأجنبي»، بمن في ذلك الإسرائيلي، «عدواً» أو مصدر خطر ـ بالاحتلال أو بالهيمنة أو بقهر الإرادة ـ على الشعب والوطن والمستقبل، بل أحله العمى بالتعصب والبغضاء وإنكار الهوية محل الأخ الشقيق والرفيق والصديق شريك المصير. صار مصدر النجدة والعون وملاذ الإيمان بالدين الحنيف.
في لبنان، تتم تبرئة إسرائيل من مسؤولية حربها الشاملة على لبنان، بكل نتائجها المدمرة في الإنسان والعمران، لتُلقى التبعة على المقاومة، بذريعة أنها خرقت «الخط الأزرق»... أما من خرق «السيادة» على البر والبحر والجو، ومن انتهك السيادة والاستقلال والكرامة الوطنية ومن قبل النساء والأطفال والرجال والزيتون والبرتقال والدخان، فمقبولة منه ذريعة أنه كان في موقع الدفاع المشروع عن النفس، وهو محتل الأرض والإرادة، والذي يحتجز الأوطان في أسره..
وفي فلسطين ينشغل المجاهدون الذين كانوا قد نذروا أنفسهم للتحرير بصراعهم على سلطة ليست كما أي سلطة، متناسين عدو حقهم في وطنهم، عدو حقهم في حياة آمنة وحق أبنائهم في أن يكونوا أحراراً فوق أرضهم... ويأخذهم التيه بعيداً: إلى الشقاق فالتفارق فالتخاصم فالاقتتال الذي يتخطى الحرمات جميعاً، فإذا بالأخ الشقيق يتواطأ لقتل أخيه، وإذا بالمجاهد القديم يستقيل من تاريخه ليحتجز أطفال «خصمه» ورفيق سلاحه الذي يتقاسم معه الرغيف والغرفة الواحدة في ظل حصار العدو الإسرائيلي.
وفي العراق يتناسى الشركاء في المأساة بفصولها جميعاً، ظلم عهد الطغيان، ومهانة الاحتلال، وبؤس تشقيق وحدة الشعب بالتقسيم، وينهمكون في اقتتال وحشي، يتجاوزون به الإسلام إلى «الجاهلية» بذريعة حماية الدين الحنيف من المسلمين الآخرين!
على مدار الساعة تتناقل الفضائيات ووكالات الأنباء صور المشاهد الفظيعة لضحايا القتلة المحترفين، أدعياء حماية الدين، سفاحي الأطفال والنساء والرجال في المساجد والحسينيات (والكنائس، أحياناً)، الذين يبرّئون الاحتلال من دماء أهلهم، ويزكونه فيصير في منزلة «المنقذ» حافظ البلاد والعباد من «الأخوة الكفرة»!!
الكل يعيش في ظلال الخوف... ويكاد يموت خوفاً قبل أن يأتيه الموت على يد شقيقه ابن أمه وأبيه! والاحتلالان، الأميركي والإسرائيلي، يتبادلان التهنئة وقد تكفل العرب بأن يفتكوا ببعضهم بعضاً، بذريعة الخلاف على تفصيل التفصيل في بعض الشكليات التي لا هي في جوهر الدين ولا العقيدة ولا الواقع الاجتماعي.
كلنا في ظلال الخوف... ما عدا قاهر الإرادة، الاحتلال.
ولا يتورع بعضنا عن طلب الاطمئنان والسلامة في ظل هذا الاحتلال الذي كان خائفاً فاطمأن، وكان قلقاً على مصيره فرمانا بقلقه، ووقف يتفرج علينا وبعضنا يفتك بالبعض الآخر، بلا رحمة... متوهماً أنه بذلك يسبق إلى الجنة.
كم من أعمارنا، من أطفالنا، من أهلنا، سنهدر قبل أن نستفيق إلى أننا إنما ننتحر ولا نجاهد، نكفر ولا نؤكد إيماننا، نضيّع أوطاننا ولا نحفظها... نخسر مع دنيانا ديننا، لحساب الاحتلال الأجنبي الذي سيكون «الوريث الوحيد»!
لمزيد من الإيضاح يرجى قراءة التوجيه الجديد لمنقذ الإسلام والمسلمين، محرّر الأمة من أهلها، جورج و. بوش... ففيه ما يطمئننا إلى سلامة ديننا الحنيف في الحاضر والمستقبل، بشهادة دماء العراقيين واللبنانيين والفلسطينيين، ما هدر منها وما سيهدر، والعياذ بالله.
طلال سلمان