تقتلك الحيرة وأنت ترى أنضج مجتمع عربي في النضال والثقافة والدفاع عن الهوية والأرض كيف استساغوا الحرب بين فتح وحماس، وهم في خندق المعركة الأخطر مع إسرائيل، ثم يكون ضمير أكبر قائد عربي، في المرحلة الراهنة، هو من يحاول إيقاظ الشعور بالمسؤولية أمام القيادات الفلسطينية بدعوة صريحة وإنسانية للاجتماع في مكة المكرمة، لأن الوضع لا يحتمل، ولا يمكن رؤيته، وهو يندفع إلى ظلام ويتجه إلى حرب أهلية بين أخوة السلاح والمصير الواحد..

الملك عبدالله وهو يتحرك، كان يوازن بين الحياة والموت لأهم قضية استنزفت دماءً وأموالاً، وقادت انقلابات وحروباً، حتى إنها تعتبر أطول معركة في العصر الحديث بين طرفين الأول الإسرائيلي تناصره كل القوى العالمية، والفلسطيني الذي يحارب بإرادته وحجارة أرضه..

جرب الفلسطينيون تكتيكات متعددة حين انساقوا وراء الانقلابيين بحثاً عن منقذ يرفع شعارات التحرر والحرية، وذهبوا لأقصى اليسار العربي والعالمي، حين تحالفوا مع الشيوعيين، والبعثيين، والقوميين العرب، وتشرذموا بين زعامات مختلفة، بعضها كانت نواياه حسنة، وآخر استخدم القضية لحسابه الخاص، وحتى يرفعوا اسم القضية وإشهار عدالتها، دخلوا مع منظمات سرية إرهابية قادت إلى خطف طائرات واقتحام مواقع، وضرب قوى، مثل (بادرمانهوف)، والألوية الحمراء، وعناصر مختلفة مثل تلك التي قادها سجين فرنسا (كارلوس) ومع أن الهدف كان مرحلياً ومقبولاً بين مختلف قوى العالم، فإن المراحل اللاحقة، لم تكن تقبل مثل هذا التكتيك والاستراتيجية، عطفاً على متغير عالمي، يفرض نوعاً مختلفاً من التفكير، والسلوك، وهنا بدأت القيادات الفلسطينية، بعد المرحوم عرفات تنطلق من تجزئة القضية، بمعنى هناك من يفكر بطرق مختلفة للتحرير..

فحماس ترفض جميع التواقيع والطروحات التي تم الالتزام بها لأن الجانب الإسرائيلي اعتبرها من مكاسبه، وفتح ترى العكس بأن الظروف الإقليمية والدولية استدعت إتمام هذا الإجراء، وأنه لا يمكن إلغاؤه تبعاً لرؤية، ورغبة فصيل آخر..

ولأن الفوارق سياسية، وشبه أيدلوجية، فإن تصحيح المسار يتطلب رؤية موضوعية لجملة الحلول، والإجراءات التي تمت خلال قيادة عرفات وما بعده، لكن أن تشكل خلافاً يستدعي رفع السلاح، فهنا الأزمة والفضيحة الأخلاقية، وحين يتقدم الملك عبدالله بدعوته الخالية من أي غاية، ورفضه لأي تدخل خارجي، فإنه يؤمن بأن الهدف أسمى من كل المناورات السياسية، وتلك هي القاعدة الأخلاقية للقادة العظام..