رئيس حكومة كندا يقدم علناً اعتذاراً رسمياً للمواطن ماهر عرار ولزوجه وأسرته مشفوعاً بتعويض مالي بالغ السخاء لما لحقه من أذى جسدي ونفسي بسبب تصرف خاطئ من جهاز الأمن الكندي.

ولكن.. أكان للمواطن عرار أن يحظى بمثل هذه المعاملة الحضارية لو لم يكن يتمتع بالجنسية الكندية؟مع ذلك فإن قصة الكندي عرار العربي الأصل تنطوي على دلالات جديرة بالتأمل.

بداية القصة كانت في عام 2002 في مطار نيويورك عندما اعتقلت عناصر الأمن الأميركي عرار بناء على «معلومة» من الجهاز الأمني الكندي تفيد بأنه «متطرف إسلامي خطير». لكن الأجهزة الأميركية لم تشأ الاحتفاظ به. فقامت بترحيله قسرا إلى وطنه الأصلي ـ سوريا، ولنحو عام ظل عرار محتجزاً داخل معتقلات سوريا يتلقى ألواناً من التعذيب.

وبعد أن تحركت مجموعة من المحامين في كندا ورفعوا الأمر إلى القضاء باعتبار أن عرار مواطن كندي أعيد عرار إلى كندا ليواجه تحقيقاً في حالته القانونية وعند نهاية المطاف خلصت لجنة تحقيق قضائي إلى أن المواطن ماهر عرار لم يكن قط يمثل خطراً أمنياً. وتضمن القرار القضائي بتبرئته تماماً توصية بتقديم تعويضات له.

وبعد أن تلقى عرار اعتذاراً رسمياً من الحكومة الكندية مشفوعاً بتعويض مالي يناهز عشرة ملايين دولار أميركي هل يجوز إغلاق الملف نهائياً؟

لقد ثبت أن «المعلومة» الاستخباراتية التي قدمتها الأجهزة الأمنية الكندية إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي ليست «خاطئة» فحسب. بل هي مطبوخة وملفقة تماماً. ولو كانت معلومة صحيحة ومشفوعة بأدلة قانونية دامغة لتولت الأجهزة الأمنية القضية بنفسها في جميع مراحلها إلى أن تنتقل بها إلى القضاء ، خاصة أنها قضية تتعلق بمواطن كندي.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح الآن في كندا هو: هل تتخذ الحكومة الكندية إجراءات قانونية لتقديم الأمنيين المسؤولين عن هذا التلفيق المشين إلى محاكمة؟

ولكن لماذا قبلت السلطات الأمنية الأميركية المعلومة المطبوخة على ظاهرها وتصرفت على أساسها دون التوقف للتحري في مدى صحتها؟ وإذا افترضنا جدلاً أن مكتب التحقيقات الأميركي كان واثقاً من أن المعلومة صحيحة بالمفهوم القانوني فلماذا لم يتول متابعة القضية بنفسه عوضاً عن ترحيل عرار قسرا إلى سوريا؟

وحتى هذه اللحظة لا تزال السلطات الأمنية الأميركية على ضلالها الشرير. بينما شطبت السلطات الكندية اسم عرار من على قائمة المشبوهين فإن السلطات الأميركية ترفض بعناد رفع الاسم عن قائمتها رغم إلحاح الحكومة الكندية عليها.

ويبقى المغزى الأكبر للقصة:

لو لم يكن ماهر عرار يحمل الجنسية الكندية لاتخذت قصته مساراً مختلفاً، فالسلطات الأمنية الكندية لم تجرؤ على احتجازه بنفسها لأن له حقوقاً دستورية كمواطن كندي، ولو كان يحمل جنسية دولة عربية أو إسلامية لبعثت به السلطات الأمنية الأميركية إلى معسكر غوانتانامو ليبقى هناك نسياً منسياً إلى أجل غير مسمى.