كثيراً ما حيرني تساؤل مفاده لماذا جمهورنا العربي غارق في الخرافات السياسية التي تقود إلى التيه السياسي، وهل هذا الانغماس في الخرافة نتيجة وعي وسبق إصرار، أم هو ناتج عن مصالح أم هم نتيجة تضليل إعلامي بالغ العمق وطويل الوجود في فضائنا العربي؟

كل تلك الأسئلة عاودتني وأنا أغادر مبنى محطة الجزيرة القطرية مساء الخميس الماضي بعد مقابلة كان من المفروض أن تكون مقابلة سياسية راقية تناقش فيها الأمور المطروحة بعقل، إلا إنها مع الإعداد والأسئلة التي جاءت مما يمكن تسميته (الجمهور الخفي) تحولت إلى جهد مضن لنفي الخرافة بدلاً من توضيح الصورة.

كان السؤال المركزي هو أمن الخليج، أو كيف يحمي الخليج نفسه. واجتهدت في الرد أن أمن الخليج «مسؤولية عالمية» تشارك فيها كل الدول التي لها مصلحة في الاستقرار، وضمان تدفق الطاقة النفطية التي لا يمكن للعالم الحديث من الصين حتى الولايات المتحدة مروراً بأوروبا أن يستغني عنا. بدا لي أن هذا طرح عقلاني ومنطقي، إلا أن الأمر ليس كذلك كما تبين لي.

احد المرتكزات التي تبنى عليها الأطروحات المضادة، وهي غير عقلانية في نظري، أن مجتمعات الخليج «هشة» ولا أعرف كيف يمكن أن يساق مثل هذا التوصيف،لأنها لا تستطيع ـ يذهب القائل بذلك الرأي ـ أن تدافع عن نفسها؟ ويبدو أن الأمر منطقي لبعض المتسرعين؟

ولكن السؤال الأعمق، هو أين توجد الدولة «الواحدة» التي تستطيع أن تدافع عن نفسها، بالمطلق، أن تعرضت لعدوان لا طاقة لها به. أوروبا على الرغم من عدها وعديدها، بما فيها الاتحاد السوفييتي، احتاجت للدعم الأميركي في الحرب العالمية الثانية، وفوق ذلك بعد الحرب احتاجت مرة أخرى إلى الدعم الاقتصادي الطويل فيما عرف بخطة مارشال.

أوروبا مرة ثانية قبل سنوات، وأيضاً بمقدرتها الكبيرة حجماً وسلاحاً احتاجت مرة أخرى لأميركا من أجل استتباب الأمن في جمهوريات يوغسلافيا السابقة المتناحرة، فيتنام الشمالية احتاجت لدعم طويل ومكلف من الصين في حربها ضد الولايات المتحدة، وهناك عدد كبير من الأمثلة التاريخية .

ومن منطقتنا في عصرنا الحديث، كلها تأخذنا إلى حقيقة مفادها أن ثمة «تحالفات» تتم بين الدول من أجل الدفاع عن مصالح مشتركة، فلولا صواريخ قادمة من إيران ومصنعة بالتعاون مع دول أخرى خارجها، لما تهيأ لحزب الله مثلاً أن يمانع الاجتياح الإسرائيلي على لبنان في الصيف الماضي.

ولولا أسلحة من المعسكر الاشتراكي لما خاض العرب جل حروبهم السابقة مع إسرائيل، إلى آخر ما يعترف به العقلاء من أمثلة تدل على انه ليس ثمة مثلبة في التعاون الأمني بين دول ومنظومات تتوافق أجندتها السياسية والمصلحية، لماذا إذن في الخليج فقط يطالب البعض بأن يكون الدفاع خالصاً مخلصاً خليجياً، تلك هي مناولة سياسية تعود إلى الخرافة والفهم السطحي الذي يتعذر فهمه من العقلاء.

قلت إن من بعض الخرافات السياسية تظهر على السطح هي ما أن يشير المرء بالمسؤولية «العالمية» حتى ينساق الجميع وراء اكتشاف عبقري ، أن المتحدث يعني «الولايات المتحدة» وهناك لبس عربي كبير بين «العالمية» و«الأميركية» نافين في ذهنهم وجود أوروبا والصين والهند واليابان من بين دول أخرى عديدة في الشرق والغرب.

وهو ضعف في تكوين العقل السياسي الجماهيري العربي، بسبب عدم التفات أن العالم لم يعد قرية فقط، بل أصبح بناية ضخمة يتجاور فيها الجميع ويتبادل المصالح، كما أن هذا العالم له مرجعيات تسمى المنظمات الأممية، التي تفرض نمطاً معيناً من السلوك الجمعي.

إذا أخذنا واحدة من السلوك الجمعي فان الإشارة محتمة إلى منظمة التجارة العالمية التي تفرض نمطاً من التعاون له شروطه العامة والتي يجب أن يمتثل لها كل الأعضاء المنضمين لها، ومن هو خارجها فهو في الحقيقة يبقى البرية الإنسانية تائهاً، إن صح التعبير. كما أن منظمة مثل الأمم المتحدة بوكالاتها المختلفة لا تستطيع دولة اليوم أن تغرد خارج سربها. فالعالمية ليست الأمركة، وان كانت الثانية لها تأثير كبير في الأولى.

من ضمن الخرافات السياسية لدى البعض أن نقد سياسة حكومة الجمهورية الإيرانية في قطاع من القطاعات وخاصة موضوع التقنية النووية، هو الوقوف قطعياً ونهائياً مع ما تريده الولايات المتحدة، وهو رأى خاطئ لعدد من الأسباب.

أولها أن لا أحد عاقل مرة أخرى، يرفض أن تقوم الجمهورية الإيرانية بما تريد أن تقوم به كما تعلن في تسخير التقنية النووية في الأغراض السلمية، ذلك من حقها كما هو حق لكل الدول. وينظم ذلك مواثيق وعهود دولية معروفة للمختصين. الخلاف هو في الهواجس لاستخدام التقنية النووية في الأغراض العسكرية، ولها في هذا المقام أيضاً مواثيق وعهود دولية تنظمها، كما لها مؤسسات مراقبة تتابعها.

الخلاف هو أن هناك الكثير من الهواجس التي لا يبدو أن بعض الجانب الإيراني السياسي منتبه لها. بدليل أن الكثير من العقلاء الإيرانيين أصبح لهم صوتاً عالياً في المطالبة بالكف عن التصريحات «العنترية» ويطالبون بالتعاون الأوثق مع المؤسسات الدولية في هذا المجال لتخفيف ومن ثم إزالة تلك المخاوف.

هذا الموقف لا يعني العداء للمذهب وان تم بناء على ذلك فهو غباء يستفيد منه السياسيون المؤججون للفتنة وتنتفي منه مصالح الشعوب الحقيقية. والإجابة على السؤال كيف يمكن لنا أن نقلل وربما نزيل الهواجس تلك، يمكن القول ان الالتجاء إلى منظمات الأمم المتحدة الناظمة لمثل هذه الأعمال، كمنظمة الطاقة النووية الدولية، تفرغ الشحن السياسي والمصطلحي وتقدم الأعمال الإيرانية على حقيقتها، وكلما تمنعت إيران من مشاركة تلك المؤسسات كلما زادت الهواجس.

لقد قامت إدارة محمد خاتمي بجهد كبير في تعويم المصالح الإيرانية في جو من الألفة والثقة، في محيطها الإقليمي وفي محيطها الدولي، إلا أن الإدارة الحالية ذات المنحى الصقوري تؤلب عليها الكثير من القوى.

القول بذلك لا يعني في موضوع أمن الخليج أن أية أجندة أميركية، تخدم المصالح الأميركية فقط مرحب بها خليجياً، ولكن في نفس الوقت فان تخفيض حدة الهواجس العربية عملية مطلوبة من الدبلوماسية الإيرانية في الاتجاهين، الملف النووي والطموحات الإقليمية.

المؤسف أن مثل هذه الأطروحات التي تخاطب العقل، تقع على عقول مسبقة التكيف فلا تفهم ولا تجد لها حتى آذاناً صاغية. بدليل أن تلك السيدة التي قدمت المقابلة التلفزيونية كان لديها موال في ذهنها رتبه أحدهم ربما اتساقاً مع رأي العوام، وفي ذهنه خطأ انه يخدم الوعي العربي.

كاتب كويتي