اتجه الكثير من المحللين السياسيين في الآونة الأخيرة إلى الحديث عن توجهات الشعب الأميركي إلى معارضة الوجود الأميركي العسكري في العراق، وإلى القول بأن التورط في العراق يشبه التورط في فيتنام في الستينات والسبعينات من القرن الماضي.
وحيث إن معارضة الشعب الأميركي للحرب في فيتنام كانت قد بدأت بالتململ قبل أن تتحول إلى مظاهرات صاخبة وهروب واسع من الخدمة العسكرية، فإن البعض يعتقد أن بوادر العصيان الأميركي ضد الحرب في العراق قد بدأت في الظهور، وأن من المتوقع أن تتنامى قوى المعارضة وتشكل عامل ضغط قوي يجبر الإدارة على الانسحاب. لكن مثل هذه الاستنتاجات لا يمكن أن تكون صحيحة إلا إذا كانت دوافع الحرب في الحالتين واحدة أو شبه متطابقة، وأن ظروف الحياة الأميركية في أيامنا هذه شبيهة بظروف الحياة إبان الحرب في فيتنام.
إن الافتراض بتشابه ظروف ومعطيات حياة الستينات من القرن الماضي بمثيلاتها في عام 2007 يلغي كل ما عاشته أميركا والعالم من تغيرات على مدى الفترة الممتدة بين الحربين. إن مما لا شك فيه أن الظروف الحالية تغيرت كثيرا، وأنها لم تعد تشبه الظروف السابقة، ولذا يصبح التنبؤ بتكرار الموقف الأميركي من الحرب الفيتنامية.
وهو ما لا يجوز الاعتماد عليه وبناء نظريات وسياسات على أساسه. وبالرغم من أنني لا أعتقد أن الشعب الأميركي سيسكت طويلا على ما يجري في العراق اليوم، لكنني، ولأسباب كثيرة، لا اعتقد أن الأميركيين المعارضين للحرب العراقية سيقفون نفس المواقف التي ميزت المعارضة ضد الحرب الفيتنامية.
لا بد من إدراك أن مصالح أميركا في منطقة الخليج الغنية بمواردها النفطية تختلف من حيث النوعية والأهمية عن المصالح الأميركية التي دفعت إدارة الرئيس كيندي إلى شن الحرب الفيتنامية، ودفعت من بعده إدارتي الرئيسين جونسون ونيكسون إلى مواصلتها حتى منتصف السبعينات من القرن الماضي تقريبا.
وعلى الرغم من صعوبة التكهن بما يمكن أن تؤول إليه الأمور في الشهور القادمة، خاصة في ظل تطور الأحداث بسرعة على الأرض، وتبدل مواقف الرأي العام تحت ضغوط الحملات الإعلامية، إلا أننا نعتقد أنه ليس من المحتمل أن تتسع نشاطات المعارضة الأميركية وتتبلور مواقفها بالقدر المطلوب وبالصلابة المطلوبة لإجبار الإدارة على الانسحاب من العراق. ويعود السبب في ذلك لفعل عدة عوامل داخلية وخارجية، منها:
وجود قناعة شعبية راسخة بأن لأميركا مصالح حيوية في منطقة الخليج، وأنه ليس بالإمكان أو من الحكمة التخلي عنها، وأن الفشل العربي في خلق صورة حضارية للعرب والمسلمين جعل من الصعب على الأغلبية العظمى من الأميركيين التعاطف مع ضحايا الحرب من العراقيين والمسلمين عامة.
من ناحية أخرى، تسبب نظام التجنيد الإجباري الذي ساد أثناء فترة الحرب الفيتنامية في دفع الآلاف من شباب أميركا للتهرب من الخدمة العسكرية. أما وقد ألغي ذلك النظام منذ عقود بقرار من الكونغرس لصالح الخدمة التطوعية، فإن مخاوف الشباب انتهت تماما.
وهذا يعني أن الشباب والطلاب الجامعيين الذين قادوا المظاهرات ضد الحرب الفيتنامية لا يتعرضون اليوم لخطر التجنيد والزج بهم في أتون حروب خلافا لرغباتهم وعلى حساب دراستهم. إلى جانب ذلك، أصبحت الغالبية العظمى من المتطوعين للخدمة العسكرية اليوم من أبناء الأقليات العرقية والثقافية التي تعيش أوضاعا حياتية سيئة بشكل عام، وأن شباب تلك الأقليات ينظر إلى الخدمة في الجيش باعتبارها أفضل الفرص المتاحة أمامهم، في مجتمع يمارس التفرقة ضدهم، للحصول على دخل جيد وتقاعد مجز وامتيازات أخرى تمكنهم من العيش حياة كريمة بعد الخدمة.
إن من الأمور المعروفة أن ثقافة الشعب الأميركي، ومنذ وصول المهاجرين الأوائل إلى تلك القارة قبل حوالي الخمسمئة سنة، كانت قد اتجهت إلى الحث على ممارسة العنف وتمجيده. ولقد استمرت تلك الثقافة بالعمل على تأكيد ذاتها وترسيخ مفاهيمها، مما جعل ضحايا العنف في أميركا تتجاوز بمرات ضحاياه في المجتمعات الغربية الأخرى.
وبالرغم من تسرب العنف إلى المدارس والجامعات، وتعدد الدراسات التي تدعو إلى تغيير ثقافة العنف، إلا أن صناعة الأفلام والبرامج التلفزيونية الألعاب، وحتى الدعايات التجارية لا تزال تركز على العنف كوسيلة لتسويق منتجاتها.
حين تسلم الرئيس ريجان مقاليد الحكم في عام 1981 اتجه إلى رفع شعار جديد يقول بالتفاوض من خلال القوة، مما جعل ثقافة القوة المرتبطة بالعنف تصبح جزءا من الثقافة السياسية. وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي ادعى المحافظون أن القوة كانت الأداة التي أدت إلى سقوط الماركسية فكرا وممارسة ومؤسسات.
بعد ذلك، جاءت مقولتا نهاية التاريخ وصراع الحضارات، لتقولا إن الديمقراطية والرأسمالية تجسد المحطة الأخيرة للتاريخ، وأن الغرب الرأسمالي الديمقراطي في صراع مع الشرق الإسلامي والصيني، وأن القوة هي الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الحضارة الغربية وحماية طريقة الحياة الأميركية.
إن المجتمع الأميركي، وبحكم ثقافته القديمة الجديدة، لا يقف ضد الحرب بل ضد الهزيمة. إن العقلية الأميركية عامة تقوم على مبدأين رئيسين: تعظيم الفوائد حين يكون الربح ممكننا، وتقليص الخسائر حين تكون الخسارة حتمية. وهذا يعني أن المعارضة الشعبية المتواضعة للحرب على العراق تنبع من الخوف من الهزيمة والخسارة وليس من التعاطف مع ضحايا الحرب وضد مبدأ القتال والعنف. فلو كانت القوات الأميركية تكسب الحرب اليوم لما وجد في أميركا من يعارض الحرب حتى وإن ارتفعت خسائرها البشرية.
إن الأميركيين يعتقدون بأنهم حملة رسالة إنسانية، وأن حملة الرسائل عبر التاريخ كانوا أكثر تضحية وأكثر ميلا لاستخدام العنف لنشر رسالتهم بين البشر. ولذا فإن الأميركيين الذي يحملون رسالة الديمقراطية، ويلتزمون بحماية مصالح بلادهم الحيوية، وجدوا أن الهيمنة على الآخر هي ويسلتهم لتحقيق أهدافهم وهزيمة خصومهم، وأن الاعتراض على الحروب يكون فقط حين تكون الهزيمة شبه مؤكدة والتضحيات الأميركية أكبر من المكاسب المشكوك فيها.
أكاديمي أميركي من أصل عربي
proffesorrabie@yahoo.com