دعوة «فتح» و«حماس» للحوار في مكة المكرمة، تطور يعكس مدى خطورة الانزلاقة الدموية للفصيلين والتهديد الذي تمثله للقضية برمتها، استجابة كليهما وترحيبه السريع بالبادرة، يعكس هو الآخر ـ في ظاهره على الأقل ـ وجود استعداد للرجوع إلى التحاور بعد قطيعة؛ كانت مكلفة.

الآن المحك يكمن في جعل هذه الجولة ـ المأمول مباشرتها فوراً ـ مثمرة. بكلمة أخرى، المحك يكمن في الرغبة والقدرة لدى الطرفين على تفعيل الحوار والوصول به إلى خواتمه المنشودة، وهذا التطور بقدر ما ينطوي على فرصة واعدة؛ بقدر ما ينطوي تبديده على مخاطر قاتلة، فهو لا يقوى على احتمال الفشل، أو حتى التعثر.

الوضع قطع مسافة كبيرة باتجاه حافة الهاوية، جولات الحوار الثنائي بينهما بقيت تراوح مكانها منذ سنة، والنتيجة كانت المزيد من الاحتقان الذي أدى تراكمه إلى الوضع المأساوي الراهن. كشفت هذه المسيرة والجرجرة عن أن ترك الحالة في هذه الدوامة، محكوم بقانون الانفجار، كما تبين أن هناك حاجة إلى صيغة جديدة توفر للحوار عوامل تزخيم، أو أن تكون بمثابة الرافعة لمساعدته على الخروج من الحلقة المفرغة.

الآن المبادرة أو الدعوة السعودية على الطاولة، وهي صيغة تمتلك هذه العناصر وبالتالي هي توفر فرصة جديدة لكسر دورة العنف القاتل، فضلاً عما للمكان من هالة ومكانة روحية جليلة، مفعمة بمعاني السلام والوئام، التي لابد وأن يستقي منها المتحاورون ما يعينهم على تكليل مهمتهم بالنجاح. وبذلك فالمفتاح بأيديهم والكرة في ملعبهم. وهذه المرة ليست كسابقاتها، التوصل إلى مخرج للأزمة بات واجباً لا يقبل حتى التأجيل، التلطي بالذرائع لم يعد مقبولاً مهما كانت مسوغاتها.

لقد حان وقت التسوية والتوافق على حل وسط، هذا الخط بقي خارج حسابات الحوار على امتداد جلساته وجولاته، ولذلك بقيت عقيمة وبلا جدوى، ومن البداية كان واضحاً أن عملية التنازل المتبادل، لا غنى عنها من أجل الوصول إلى حكومة وحدة وطنية وبرنامج سياسي مرحلي.

التشبث، مرة بالثوابت ومرة بالمفردات؛ أطاح بأكثر من فرصة، نتيجته كانت المزيد من التعقيد ثم الصدامات التي قادت الساحة إلى اشتباك وضعها على تخوم حرب أهلية، طالما سعى العدو الإسرائيلي إلى إشعال نارها؛ لما تشكله من مقتل فلسطيني استعصى عليه بلوغه؛ على الرغم من كافة الوسائل التي لجأت إليها آلة حربه في استهدافها للبشر والحجر والشجر في فلسطين.

ما شهدته غزة في الأيام الأخيرة أثار غضب أهل القضية في فلسطين والعالم العربي. كما أثار استياء كافة الحريصين والمتعاطفين، في العالم؛ مع القضية الفلسطينية، فليس مقبولاً ولا مفهوماً في قاموس كل هؤلاء أن تتبرع فصائل فلسطينية بإراقة دماء فلسطينية كلها قابعة داخل سجن الاحتلال وتحت سيف آلته العسكرية.

فيما الاحتلال يتفرج بساديته على هذا النزف ويتفرغ، في الوقت ذاته، للإمعان في نهب الأرض وفي استباحة حياة أهلها المحاصرين بين نارين.ثمة فرصة الآن ولا مغفرة ولا عذر للمتقاتلين في تفويتها، وإلا ارتكبوا خطيئة لا رحمة في العقاب عليها.