من الملاحظ اشتداد الاقتتال والتوتر الداخلي كلما دخل الحوار الوطني مرحلة جدية، وقد تكررت هذه الظاهرة اكثر من مرة، واخرها ما نشهده في هذه الايام من خلاف دام وسقوط العشرات من الضحايا بين قتلى وجرحى بالاضافة الى الاحباط والالم والقلق في اوساط ابناء الشعب الفلسطيني وكل مؤيديه في انحاء العالم نتيجة هذا الاقتتال وهذه الدماء التي تراق في غير موقعها.
ومن الصعب ان تكون الامور مجرد مصادفة لانها تتكرر مما يعني ان هناك جهات لا تريد للحوار ان ينجح او ان يصل الى نتائج ايجابية ، لان مصالح هذه الجهات في استمرار التوتر والاقتتال الداخلي، وبقاء المنطقة بؤرة متوترة وقابلة للاشتعال، وبالتالي استبعاد اي حلول محتملة او اي مفاوضات سلام.
وهناك من يرى ان جهات خارجية غير فلسطينية هي صاحبة المصلحة في توتير الاوضاع وتعطيل الحوار وان لها نفوذا واشخاصا داخل الاراضي الفلسطينية وقد لوحظ في هذا السياق ايضا انه كلما تم الاتفاق على التهدئة مع اسرائيل فان اطرافا داخلية تحاول جهدها لخرقه وخلق حالة من التوتر والاجتياحات الاسرائيلية.
والمواطن الفلسطيني الذي مل كل هذه الجولات المملة من الحوار لا يجد تفسيرا او تبريرا لكل هذا الاقتتال والدماء الا في وجود هذه الاطراف التي ترتبط مصالحها بجهات غير فلسطينية، لان قاعدة الاتفاق موجودة وهي وثيقة الاسرى، ولان الهدف واضح ومحدد وهو رفع الحصار الاقتصادي والسياسي عن الشعب الفلسطيني ووقف ازدواجية السلطة وازدواجية القرار.
واذا كان الامر بهذا الوضوح، واذا كان الكل يؤكد على حرمة الدم الفلسطيني وعلى ان الحوار هو اللغة الوحيدة، فلماذا اذن يتكرر الاقتتال بايدي ورجال هؤلاء الذين يتحدثون عن حرمة الدم ولغة الحوار؟
لقد سمعنا النائب العام الفلسطيني القاضي احمد المغني يتحدث بكل مرارة عن عشرات مذكرات التوقيف ضد اشخاص لم يتم تنفيذها، لان السلطة التنفيذية لم تقم بدورها، وقد اشار بوضوح الى ان وزارة الداخلية هي المسؤولة عن الامن والنظام واستتباب سلطة القانون.
كما اعلن النائب العام عن تشكيل لجنة تحقيق في الاحداث الدموية والجرائم التي ارتكبت وهذه هي الخطوة العملية الحقيقية الاولى وربما الوحيدة حتى الان، لكي تضع الاصبع على الجرح وتشير الى الاسباب والمسببين في هذا الذي يجري ، لان البيانات والاتهامات المتبادلة وهذا الفيض من التصريحات والمتحدثين، تجعل الامور اكثر تعقيدا ونحن نأمل ان تكون لجنة التحقيق هذه قادرة على كشف الحقيقة واعلانها على الجميع حتى يتحمل كل طرف مسؤوليته وحتى يعرف المواطنون جميعا وبالتأكيد من الذي يثير هذه الموجات من الاقتتال والتدمير الذاتي.