كلما ألمت بالشرق الاوسط نازلة، كلما ظهر تراجع الدور العربي في التعاطي معها، فهل أصبح هذا الطرح حقيقة مؤكدة لا يمكن تغييرها؟
نقول ذلك ونحن نشهد الاقتتال الفلسطيني يستعر بين الاخوة الفلسطينيين دون ان نجد دورا فاعلا لوقف هذا الاقتتال ، طبعا لدى المسؤولين العرب الآخرين مبرر مطروح دائما وهو عدم الرغبة في التدخل في الشؤون الداخلية لبلد عربي آخر، وهذا أمر مقبول ومفهوم ، لكن هل ينطبق هذا التوجه على الوضع الفلسطيني.
لقد تابعنا موقف مجلس التعاون لدول الخليج العربية على لسان الأمين العام للمجلس معالي عبدالرحمن بن حمد العطية الذي ابدى أسفه الشديد لتدهور الأوضاع الامنية على الساحة الفلسطينية والتي وصلت الى خراب أشبه بما يرتكبه الاحتلال الاسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني: بيوت تخرب ،رموز دينية وسياسية يتم اختطافها ، مساجد يتم اقتحامها أطفال يلقون حتفهم.
وكل يوم يمر يشهد ذلك الشارع الفلسطيني فلتانا أمنيا على مستوى اخطر مما كان في اليوم السابق عليه مما يجعل المواطن العربي يرنو نحو العواصم العربية لشعوره في قرارة نفسه ان بمقدور السياسيين العرب فعل الكثير ، اكثر من مجرد الوساطة والمساعي الحميدة، وفي الواقع لقد ثبت ضعف الدور العربي إزاء القضايا المصيرية للمنطقة العربية حتى ساد الاعتقاد ان حسم أية قضية في منطقتنا العربية والشرق الاوسط عموما لابد ان يمر عبر طرف أجنبي، هذا الامر واضح جلي في العراق ولبنان والسودان والصومال وهي دول عربية تواجه مأزقا يهدد سلمها الأهلي وهويتها العربية في الصميم.
لكن..مرة اخرى..هل ينطبق الأمر على الساحة الفلسطينية ايضا رغم كل ما يردده الساسة العرب من ان قضية فلسطين هي قضية العرب الأولى. اسمحوا لنا ان نتحدث بصراحة اكثر: اسرائيل والولايات المتحدة اعلنتا اكثر من مرة ان وجود حماس في السلطة امر غير مقبول لديهما..فهل هذا هو موقف الدول العربية ايضا؟ واذا كانت الاجابة بالنفي كما نتوقع فما هو البديل؟ أي فما هي الخطوات العملية التي اتخذها العرب لاقناع الأطراف الأخرى بأن حكومة حماس صاحبة حق في ممارسة اعمال أية حكومة اخرى.
واذا كان الجانب العربي يرى ان حركة فتح لديها قادة يتمتعون بخبرة اوسع لمعالجة الشأن الفلسطيني فلماذا لا يتم الاعلان عن هذا الأمر صراحة ومساعدة الاشقاء في فلسطين على تفهم الظرف الراهن وصعوبة تطبيق المعايير الديمقراطية على شعب لا يزال تحت الاحتلال وينسف المحتل كل محاولة لإقرار الوضع الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة على الاراضي الفلسطينية.
وحتى الآن يعتبر المتداخل الاساسي في القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية هو الولايات المتحدة الاميركية التي تتعامل بمزاجية وانحياز مطلق ضد المصالح العربية وبخاصة في الملف الفلسطيني. ولا نكون مبالغين اذا قلنا ان ضعف الموقف العربي وضبابيته يجعل السياسة الاميركية ذاتها رهينة عنصر التجريب الذي يمارسه حفنة من الموالين لاسرائيل داخل الإدارة الاميركية وضمن هذا (التجريب) محاولة ضرب الفرقاء الفلسطينيين ببعضهم حتى تقدم واشنطن لاسرائيل نصرا مجانيا في الصراع العربي الاسرائيلي.
فهل نرى عما قريب حسما عربيا لقتال الأخوة في الاراضي الفلسطينية المحتلة على الاقل حتى نقدم للعالم برهانا جديدا على ان القضية الفلسطينية هي قضية العرب الاولى بالفعل؟.
نحن نتابع تحركات عربية نأمل نجاحها كتحركات الوساطة التي يقوم بها الوفد الامني المصري المقيم بصفة شبه دائمة في الاراضي الفلسطينية المحتلة، كما نتابع دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لقادة فتح وحماس الى الالتقاء في مكة المكرمة للبحث عن حل للخلاف بينهما.
ونأمل ان تتوج هذه الجهود بالنجاح، كما نأمل تدخل كل طرف عربي قادر على التأثير في الموقف بالتغيير لصالح القضية والشعب الذي عانى الكثير على يد الاحتلال الاسرائيلي وتحمل وصبر لكنه يواجه اليوم سلاح بني جلدته بأسى وحزن ظاهر وهو الامر الذي يترك مخاطر جسيمة على معنويات ومصداقية قياداته الوطنية.