حيثما تضع إدارة بوش يدها في المنطقة تسل الدماء، وتحتقن الأجواء السياسية، وتخرج الطائفية والمذهبية من جحورها، ويشتد الكره لأميركا، والأمثلة على ذلك معروفة للجميع، وواضحة وضوح الشمس في فلسطين، والعراق، والسودان، ولبنان والصومال، حيث الاقتتال، والتناحر السياسي والمذهبي، ومشروعات التقسيم، إضافة إلى سقوط الضحايا بالجملة والمفرق.

كل ذلك يحدث بفعل أميركي مباشر وغير مباشر، ولكن من غير المعقول تحميل إدارة بوش كامل المسؤولية ما دام هناك أدوات في المنطقة بالغة راشدة تفعل ما لا تستطيع هذه الإدارة فعله بشكل مباشر، ويكون فعلها أشد وطأة أحياناً من الفعل الأميركي ذاته، وهذه الأدوات موجودة للأسف الشديد في كل مناطق النزاع آنفة الذكر، ومعدّة نفسياً ومالياً وسياسياً لأن تفعل أكثر مما يُطلب منها، حيث الأدوات الأميركية تندفع بشكل «هستيري» على كل ما هو وطني، وعروبي، ومقاوم لإسرائيل. ‏

في العراق تُريد إدارة بوش بلوغ الانتصار عبر الفتنة المذهبية، والحرب الأهلية، والتقسيم الجغرافي، وهي وإن أنكرت ذلك فإن كل ما يجري يؤكد أنها توغل فيه انتقاماً من العراقيين الذين رفضوا الخضوع للاحتلال والسيطرة الأميركية، وأحبطوا عنجهية بوش وأهداف حربه المجنونة، فكانت هذه الشلالات من الدم، وهذا الدمار للعراق. ‏

وفي الأراضي الفلسطينية تريد هذه الإدارة قطع التواصل بين القيادات والقواعد، ومحاصرة المقاومة، والإيقاع بين الحكومة المنتخبة والشعب، انسجاماً مع المشروعات الاحتلالية الإسرائيلية، فكان هذا الاقتتال بين الإخوة. ‏

وفي لبنان تريد القضاء على المقاومة عبر التلاعب بالنسيج اللبناني، وإيقاظ الطائفية والمذهبية من سُباتها، ودفع تجار السياسة والدماء إلى الواجهة، والضغط عربياً ودولياً لفرضهم حكاماً للبنان، علماً أن أبدان الأغلبية العظمى للبنانيين تقشعر لمجرد سماع أسماء بعضهم، لما في رقاب أصحاب هذه الأسماء من دماء لبنانية. ‏

والأوضاع مشابهة بأشكال مختلفة في السودان والصومال كذلك، حيث امتدت اليد والأدوات الأميركية. ‏

والأخطر من ذلك يكمن في كون إدارة بوش تريد توسيع دائرة عبثها في المنطقة وحولها، وتطلق التهديدات لهذا البلد أو ذاك، وترصد الميزانيات للعدوان، وتحضّر الأجواء لحروب جديدة لم تستطع حتى الآن خوضها. ‏

لهذه الأسباب تجد الشعوب العربية والإسلامية نفسها مجبرة على الابتعاد عن أميركا، والشعور بالكراهية تجاهها، فكره إدارة بوش يتحول تلقائياً إلى كره لأميركا. ‏

وما يؤكد صحة وسلامة هذا الشعور العربي والإسلامي هو أن الأميركيين ذاتهم يشعرون بالإحساس ذاته تجاه إدارتهم، وما أدلّ على ذلك من تظاهرات الرفض لحروب بوش، ومن استطلاعات الرأي الأميركية التي هوت بشعبيته إلى أدنى المراتب في تاريخ الرئاسات الأميركية. ‏