هل أحلك الأيام، هي تلك الأيام التي مضى عليها الزمن، أم هي تلك التي ستأتي عليهم، أم هذه التي هم فيها؟ سؤال ينبغي الإجابة عليه. لأن الظلمة ستمتد أكثر بكثير، مادامت هناك غيمة أميركية تغطي على القبور، وعلى الدود الذي يتغشى الأجساد، وعلى العفن الذي يأكل عناقيد العنب في الحقول.

للدم بين قابيل وهابيل حكاية، الغراب ليس له، إلا أن يواري أثر الجريمة. غير أن التاريخ سوف يشهد. واليوم.. اليوم تستمر رحلة الدم الفلسطيني المغدور.وحليمة لم تتب عن عادتها القديمة، وهناك في بلاد الرافدين، ما زالت الأفاعي يقربون قرابينهم للاحتلال، احتلال الحرب والدم!

إنها إحدى مآسي التهجير المرسومة على ملامح المعذبين على وجه هذه الأرض. إنهم الفلسطينيون الموجودون في العراق، وعلى الحدود العراقية السورية، هاربون من الموت يحملون نزيف قلوبهم ووحدتهم. بين صرخات الأيام، يحملون جنازات أحلامهم وآمالهم على كفهم.ترتسم على محياهم، مآسي كل السنوات الزائلة بحرقة محزنة، تنهدات وآهات شعب، توجع القلب.

رحلة المعاناة ما زالت مستمرة منذ 1947، زد على ذلك حالة الرعب التي يعيشونها. لكن لعل هناك بصيص أمل يلمع في سماء الحرية، يؤمن شراع النجاة في هذا الليل الداكن، ويأتي الندى العذري، ليغسل بقطراته العطرية أحد مآسي أدران هذا العصر الموحش.

ما الذي يمكن أن يخرج هؤلاء الضحايا الأبرياء من هذه الأعاصير، التي من المتوقع أن الشمس بدأت بالبزوغ بعد طول غروب. بيد أنها غدت أكثر غروباً من أي وقت مضى. وهل ضاقت الأرض بما رحبت؟!. هل ضاقت بلاد الله الواسعة وأرض البلاد العربية باستقبالهم وفيهم من الخبرات والطاقات العلمية التي لا يمكن أبدا أن تكون عالة على أي مجتمع. ثمة عائلات فلسطينية كثيرة، وسط تيه لا نهاية له على ما يبدو. فقدوا القدرة على تمييز الألوان والجهات، فقدوا التركيز على ربط حروف لتغدو كلمة، وربط كلمات لتغدو جملة. إنه ظلام يبدو أزليا في ليل لا نهاية له.

تبكي الأشجار، تجف المياه، تذبل الورود، تنتهي الزغاريد والأغاني الوطنية. الحملات المستمرة على تجمعات الفلسطينيين من قبل الميليشيات، والمغاوير وقوات الاحتلال الأميركي بحجة إيواء مقاتلين ضد الاحتلال، أو، امتلاك الأسلحة. فالقنابل الصوتية والكلاب وتدمير البيوت، وسلب الأموال والاعتقالات العشوائية ترافق هذه الحملات الكيدية التي تقوم بها هذه القوات، والتي لم تسفر عن أي نتيجة بالمطلق لزيف ادعائها.

ما الذي يمكن فعله وسط هذه المآسي؟. لقد فقدت الأشياء طبيعتها فيهم. وفقدوا طبيعتهم في الأشياء. حالهم اليوم يعجز عن وصفه اللسان، واقع مرير، من تهجير إلى قتل وتعذيب وتنكيل. اعتقالات وحالات اغتصاب، وتهديد مستمر لدفعهم للخروج من العراق، بعد أن سلب منهم أي وصف قانوني فلا هم لاجئون ولا نازحون، لا مقيمون ولا وافدون ولا مهجّرون.

تجمعات الفلسطينيين في العراق وعلى الحدود السورية العراقية، والتي ما زالت الهجمات إلى هذه اللحظة، تشنها عليهم ميليشيات مسلحة ومغاوير داخلية، يتعرض خلالها الفلسطينيون لأبشع عمليات القتل والتنكيل المنظم.

لماذا يقتل الشعب الفلسطيني في بلاد الرافدين؟ إن الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين منذ غزو الولايات المتحدة الأميركية للعراق، يعانون ظروفاً مأساوية بسبب اضطهاد بعض الجماعات المسلحة لهم، من حيث تهديدهم بالترحيل القسري من المناطق التي يقطنون فيها، رغم تكرار الفتاوى العراقية والمطالبات من مرجعيات دينية مختلفة، بضرورة توفير الحماية للفلسطينيين وعدم التعرض لهم، ولكن الواقع يقول أنه هوعكس ذلك تماما.

حملات التهجير التي تطال الفلسطينيين من الأماكن التي يقطنوها، والتي لا تنتهي أبدا، شملت مئات العائلات الفلسطينية، وبطرق مختلفة تشمل التهديد المباشر، أو، الكتابة على الجدران، أو، تهديدهم من خلال رسائل، أو، المطالبة بمطالب تعجيزية تشمل أحيانا مطالبة الوالدين بجلب قرة أعينهم ليقتلوهم أمامهم، أو، ترك البيوت والرحيل. وتصل في الكثير من الحالات إلى القتل إن لم يلبوا مطالب الميليشيات.

إن ما يجرى للشعب الفلسطيني في العراق من مجازر يومية، من قتل وتهديد وبطش تتحمل مسؤوليته القانونية والأخلاقية، قوات الاحتلال الأميركي، والميليشيات التابعة. والذين يسعون منذ اللحظة الأولى للاحتلال، زرع بذور الفتنة بين الشعب العراقي وفق منظور السياسة الاستعمارية القديمة الجديدة، فرق تسد. حيث تقف تلك القوات متفرجة وأحياناً داعمة لكل التجاوزات بحق الفلسطينيين.

الوضع الخطير للاجئين الفلسطينيين في العراق، وثّقت فيه حالات قتل وتهديد بالعنف وغير ذلك من المخاوف الأمنية لدى ثلاثة وأربعين ألفاً من اللاجئين الفلسطينيين في العراق. الفلسطينيون في العراق هم الحلقة الأضعف في مكونات الشعب العراقي، فلا حزب ولا قائد يحميهم ولا قوى سياسية تنادي باسمهم ولا حضور على الأرض، مع غياب شبه كامل لجامعة الدول العربية التي لا تتحرك وتفضح تلك الممارسات، الأمر الذي يسهل مخطط ذبحهم والاستفراد بهم دون أن ينتصر أحد لدمهم.