اختار الصحافي التركي من أصل أرمني هرانت دينك أن يكون في عداد ما يقارب ال000 60 أرمني الذين أصرّوا على البقاء في تركيا وعدم مغادرتها للإقامة في أي بلد آخر. وهو مثل أغلبية الباقين أيضا يعيش في اسطنبول حيث أسس مجلته الأسبوعية «آغوس»، الصادرة باللغتين التركية والأرمنية عام 1996.
ومنذ البداية حدد هرانت دينك خطا ظل وفيا له كما تشهد كتاباته طيلة السنوات العشر المنصرمة. فهو من جهة لم يتوقف عن الحديث بشكل واضح وصريح ودون أية مواربة عن المذبحة التي تعرّض لها الأرمن في تركيا عام 1915 والتي يقر بها جميع المؤرخين المعاصرين باعتبارها «واقعة تاريخية» رغم عدم الاعتراف الرسمي بها من قبل جميع الحكومات التركية المتعاقبة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.
ومن جهة أخرى، رفض هرانت دينك، بشكل واضح وصريح أيضا، استغلال ما جرى للأرمن عام 1915 كذريعة لاتخاذ مواقف سياسية ضد تركيا وإقصائها عن إمكانية الانضمام للاتحاد الأوروبي، مثل المبادرة البرلمانية الفرنسية لشهر نوفمبر 2006 الرامية إلى اعتبار رفض تركيا الاعتراف بمذبحة الأرمن جرما تنبغي مقاضاتها عليه.
وكان هرانت دينك قد كتب حول هذا الموضوع في مقالة له، كما نقلت مجلة «ماريان» الفرنسية بعددها لتاريخ 17 نوفمبر 2006، ما نصّه: «إن القانون الفرنسي المشوب باللاعقلانية يسيء إلى القضية الأرمنية في تركيا» ثم أضاف موجها حديثه للأرمن في فرنسا الذين كانوا قد ضغطوا من أجل استصدار مثل ذلك القانون: «إنني أتوسل إليهم كي لا يثيروا هزة أرضية في تركيا.
فهذا القانون لا جدوى منه وسوف يدفع بنا إلى الغرق. كما أنه عكس بغباء موازين القوى عبر تحويله الأتراك إلى ضحايا لتقييد حرية التعبير. ثم إذا كان أرمن الشتات ضد انضمام تركيا إلى أوروبا، فإنه عليهم أن لا ينسوا أن الأرمن الأتراك يؤيدون هذا الانضمام».
وإذا كانت فرنسا قد اعترفت رسميا عام 2001 بوقوع مذبحة الأرمن، فإنها، وللتذكير فقط، لم تعترف رسميا بوقوع حرب التحرير الجزائرية، التي استمرت مستعرة منذ بداية شهر نوفمبر 1954 وحتى الاستقلال عام 1962، إلا في عام 1999، وكان التعبير المستخدم في القاموس السياسي و«البرلماني» الفرنسي هو «أحداث الجزائر»، وكأن الأمر كان مجرد مشاغبات وليس زلزالا سياسيا قامت أثناءه الجمهورية الفرنسية الخامسة عام 1958 على أنقاض الجمهورية الرابعة.
لقد رفض الصحافي هرانت دينك ما اعتبره استخداما للتاريخ من أجل أغراض سياسية راهنة، لكنه لم يتنكّر للتاريخ ولأصله الأرمني ولم يكف عن المطالبة بالاعتراف بمذبحة الأرمن في تركيا عام 1915. وهذا ما جرّ عليه تقديمه للمحاكمة مرّات وإدانته بالسجن «مع وقف التنفيذ» بتهمة «تحقير الهوية الوطنية» عندما تحدث في أحد مقالاته عن مستقبل «الدم النقي» لجمهورية أرمينيا.
لم يكن المثول أمام المحاكم هو ما يثير قلق هرانت دينك جدّيا وإنما بالأحرى سيل التهديدات التي تلقّاها من القوميين المتطرفين الأتراك، وهذا ما عبّر عنه في آخر افتتاحية كتبها قبل اغتياله في مجلة «اغوس» وقال فيها أنه أصبح «مثل حمامة» مذعورة «يمشي وهو يتلفّت إلى الوراء باستمرار».
لم تكن تلك التهديدات مجرد عملية «تخويف» بقصد «الردع» بل قام شاب تركي في السابعة عشرة من عمره بترصد الصحافي أمام بناء مقر مجلته وأرداه قتيلا بالرصاص عند خروجه. لماذا؟ لأنه قرأ، كما قال للمحققين، على أحد مواقع الانترنت أن هرانت دينك قد تحدث عن «دم تركي قذر»؛ ولذلك قرر قتله مؤكدا أنه «لا يشعر بأي أسف لما فعله» بل إنه قام به عن «سابق إصرار وتصميم». وبهذا المعنى هو نفسه «ضحية» للأطروحات التي «عبأت» حماسه واستخدمته وشدّت إصبعه على زناد مسدسه.
لم تكن المسألة إذن مجرد عملية اغتيال فردي معزول يقوم به متطرف «موتور» وإنما كانت بالفعل ما عبّر عنه رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان نفسه عند سماعه الخبر إذ قال: «إن الرصاصة التي ضربت هرانت دينك كانت موجهة ضدنا كلنا». وهذا ما أراد أن يعبر عنه آلاف المتظاهرين الأتراك عندما رددوا «جميعنا أرمن».
إن خطورة اغتيال هذا الصحافي الأرمني الأصل تأتي من السياق الذي أنتجها، وإنها حلقة في سلسلة اغتيالات سابقة كان أبرزها قتل القس الإيطالي أندريا سانتوس أمام كنيسة سانتا ماريا في مدينة ترابزون الواقعة على شاطئ البحر الأسود والمعروفة بأنها أحد مراكز التواجد القوي للقوميين المتطرفين الأتراك. ثم إنها مدينة قاتل الصحافي التركي الأرمني، ولا شك أنها «صدفة» تستحق التأمل.
ولعل النظر إلى هوية القتيل، وهوية القاتل، وحيثيات الجريمة تسمح بالقول أن الأمر يتعلق باغتيال «مقصود»، وأن وراءه ذهنية متطرفة ومتزمتة تريد إحياء «أمجاد الأتاتوركية» وترفض بنفس الوقت الحكومة القائمة على أساس أنها ذات نزعة إسلامية محافظة. كما ترفض توجهات جميع أولئك الذين يريدون «بيع الوطن بأبخس الأثمان».
المثير هو أن مثل هذا الحديث عن «بيع الأوطان بأبخس الأثمان» يشكل سمة مشتركة لدى التيارات القومية المتطرفة «الصاعدة» في أوروبا كلها والتي كان آخر «إنجازاتها» فوز القوميين المتصرفين في صربيا بالانتخابات التشريعية التي جرت يوم 21 يناير 2007.
ومن الواضح أيضا أن عملية اغتيال الصحافي هرانت دينك قد زادت من حالة الجفاء، إن لم يكن التباعد الحقيقي، بين تركيا والاتحاد الأوروبي، إذ في الوقت الذي سارعت فيه السلطات الأوروبية المعنية بتوسيع الاتحاد الأوروبي إلى المطالبة بتوضيح جميع ملابسات الجريمة من قبل الحكومة التركية، قامت هذه الحكومة من جهتها وعلى لسان رئيسها نفسه، بتحميل المسؤولية للسياق الذي ساهمت بعض الدول الأوروبية بخلقه إذ قال: «لقد اُرتكبت هذه الجريمة في الوقت الذي استأنفت به بعض البلدان الأخذ بالاتهامات الأرمنية». المقصود بهذه الإشارة تلميحا ـ يعادل «تصريحا» ـ هو فرنسا ومبادرتها البرلمانية لشهر نوفمبر الماضي.
ما يمكن تأكيده هو أن اليمين القومي التركي المتطرف له تواجده القوي و«العميق» في تركيا ما بعد مصطفى كمال أتاتورك، خاصة في المؤسسة العسكرية والأمنية. وإنه ليس مجانا أن تأتي عملية الاغتيال الجديدة قبل حوالي ثلاثة أشهر من الانتخابات الرئاسية التركية والتي تعقبها الانتخابات التشريعية في الخريف القادم.
إن الأفق التركي ملبد بـ «الشكوك»، و«من التطرف ما قتل» في تركيا وفي غيرها... اليوم والأمس القريب والبعيد... وعلى مدى التاريخ كله.
كاتب سوري