ثلاثة عشر قرناً وسبع وستون سنة من التاريخ الهجري، زاخرة بالأحداث، جرت خلالها الكثير من أنهار الدموع والدماء. تلك هي المسافة الزمنية التي تفصل بيننا وبين ذلك الحدث الجلل الذي كان واحداً من تداعيات الفتنة الكبرى التي حققت أول أهدافها بمقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة 35 هجرية.

وبلغت ذروتها بمقتل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه سنة 40 هجرية، مروراً بما حدث بين مقتل الخليفتين الراشدين من حروب أذكى بعضها زعماء الفتنة من أمثال عبدالله بن سبأ والغافقي بن حرب والأشتر النخعي، كمعركة «الجمل» التي راح ضحيتها اثنان من خيار صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هما طلحة والزبير ونحو عشرين ألفاً من المسلمين.

وأخرى أذكاها الصراع على الخلافة كمعركة «صفين» التي قُتل فيها ما يقارب السبعين ألفاً من أتباع علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وانتهت برفع المصاحف على أسنة الرماح وقصة التحكيم الشهيرة التي كانت خدعة كبرى ثبّتت معاوية وخلعت عليا، وكان من نتائجها ظهور فرقة «الخوارج» الذين انشقوا على علي فحاربهم في «النهروان» ليكون استشهاده على يد واحد منهم.

كانت الأمور تسير إلى نوع من الهدوء والاستقرار بعد أن قام الحسن بن علي بمبايعة معاوية بن أبي سفيان حقنا لدماء المسلمين، وخضوعا لتقديرات موقف أهل البيت الذي كان في وضع لا يحسد عليه بعد مقتل الإمام علي كرم الله وجهه. كل هذا شريطة أن تعود الخلافة إلى نظام الشورى بعد موت معاوية كما يقول مؤرخو تلك الفترة العصيبة من تاريخ الأمة.

لذلك كان أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد من بعده وهو على قيد الحياة تحوّلا تاريخيا باتجاه توريث الحكم والتحلل من نظام الشورى الذي تم على أساسه اختيار الخلفاء الأربعة الذين جاءوا بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. الأمر الذي أحدث ردود أفعال تراوحت بين الاستغراب والاستنكار الذي بلغ ذروته بعد وفاة معاوية وتنصيب يزيد خليفة للمسلمين. وكانت قمة المعارضة رفض الحسين بن علي مبايعة يزيد الذي كان قد أرسل إلى والي المدينة رسالة يطلب منه فيها أخذ البيعة من الحسين الذي غادر المدينة سرا إلى مكة واعتصم بها.

كانت الكوفة وقتها معقلا قويا من معاقل الذين تشيعوا لعلي بن أبي طالب إبّان فترة خلافه مع معاوية. وعندما علم أهلها برفض الحسين مبايعة يزيد واعتصامه بمكة وجدوها فرصة سانحة للتحلل من بيعة بني أمية ومبايعة الحسين بن علي خليفة للمسلمين وكتبوا له رسائل عديدة يدعونه للقدوم إليهم كي يتسلم زمام الأمور.

لكن الحسين قرر أن يستطلع الأمر قبل اتخاذ القرار فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة مستكشفا ليجد المناخ مهيأ حيث تقول بعض المصادر إن نحو ثمانية عشر ألفا من أهلها قد بايعوا الحسين. أرسل مسلم إلى ابن عمه متعجلا قدومه فتحمس الحسين للذهاب إلى الكوفة رغم معارضة أقاربه وأصحابه وأتباعه للفكرة ونصيحتهم له بعدم الذهاب.

في هذه الأثناء قام يزيد بعزل والي الكوفة النعمان بن بشير الذي أدى تساهله إلى هذا الوضع وقام بتنصيب والٍ أشد حزما هو عبيدالله بن زياد الذي تمكن من الضغط على رؤساء العشائر والقبائل وتهديدهم بالإبادة عن بكرة أبيهم فنجح في تفريقهم من حول مسلم بن عقيل وانتهى الأمر بقتل مسلم في الوقت الذي كان فيه الحسين قد خرج من مكة متجها إلى الكوفة قبل أن يعلم بقتل موفده.

ما حدث بعد ذلك واحدة من المآسي التي يعجز العقل عن استيعابها، ويقطر القلب دما لوقوعها، ويحار القلم في وصفها. فقد كانت مواجهة «الطف» بين الحسين ومن معه والجيش الأموي مواجهة عجيبة لا تخضع لأي منطق. كان قوام الجيش الأموي أكثر من عشرين ألف مقاتل يقودهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، وكان قوام قوات الحسين بن علي اثنين وثلاثين فارساً وأربعين راجلا.

اثنان وسبعون مقاتلا يواجهون جيشا مكونا من أكثر من عشرين ألف مقاتل مجهزين بأفضل عدة الحرب وعتادها فأنّى لهم أن يقفوا في وجهه! أما تفاصيل تلك المعركة في كتب التاريخ فهي مؤلمة حزينة تترك في القلب جرحا غائرا أيَّا كان مذهب صاحبه أو ملته، إذ يكفي أنها قد انتهت بسبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبيبه وحيدا في الميدان بعد مقتل كل من كان معه من أبناء وأخوة وأبناء عمومة وأتباع لم ينج منهم من القتل إلا ابنه علي الذي حفظ نسل أبيه من بعده. وكان المشهد الأخير في المعركة مكونا من الحسين بن علي راكبا جواده يتقدمه أخوه العباس بن علي بن أبي طالب حامل اللواء.

لكن العباس وقع صريعا ولم يبق في الميدان سوى الحسين الذي تلقّى سهما استقر في نحره، ثم أخذت ضربات الرماح والسيوف تمطر جسده، ليكمل شمر بن ذي الجوشن قائد ميسرة الجيش الأموي مأساوية المشهد بضربة سيف أطاحت برأس سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ففصلته عن ذلك الجسد الطاهر، مطيحة معها بتاريخ أمة، وفاتحة مستقبلها لأنهار من الدموع والدماء لم تجف حتى الآن. كانت ملحمة دموية لم تغير وجه التاريخ الإسلامي في ذلك الزمن البعيد الذي حدثت فيه فقط، وإنما تواصلت فصولها حتى زمننا هذا، محدثة شرخا عميقا في الأمة التي جاء رسولها ليوحدها ويجمعها على كلمة واحدة.

فمن هو المسؤول عما حدث يومها في كربلاء وعما سبقه؟ ومن هو المسؤول عما جاء بعده على مدى أكثر من ثلاثة عشر قرنا ونصف حتى الآن؟ ومن هو المسؤول عما سيجئ بعده؟ وكيف يمكن رأب هذا الصدع الذي يطل بوجهه الأسود من جديد اليوم ليغذي نهر الدماء التي جرت منذ أن زرع عبدالله بن سبأ وصحبه بذور الفتنة وسط الأمة، وواصل تلاميذهم ومريدوهم مدها بأسباب الحياة كي تظل يانعة تنشر سمومها وآفاتها، وتذكي نيران العداوة والبغضاء بين أفراد الأمة؟

ليس ثمة شك في أن هناك من استغل تلك الحادثة ليدق إسفينا بين جماعتين من المسلمين اقتتلتا في ظرف تاريخي عصيب نقرأ عنه لكننا لم نعشه. وما من شك في أن هناك من لا يزال يعتاش على هذه الحكاية المؤلمة ويصوغها بالطريقة التي تخدم توجهاته ومصالحه وأغراضه.

لذلك فإن الأمة الإسلامية أحوج ما تكون اليوم إلى الحكماء من أبنائها - سنّة وشيعة - كي يردموا هذه الهوة قبل أن تبتلع الجميع فلا يعود هناك ناجٍ منها. ولذلك أيضا نحن بحاجة إلى أكثر من حوار صريح وصادق نطرح فيه كل خلافاتنا جانبا، ونضع فيه كل الحقائق على الطاولة لا تحتها. حوار نظهر فيه أكثر مما نبطن، ونتصارح فيه أكثر مما نتهم، ونطفئ فيه النيران التي تشتعل كل يوم وتلتهم منا من تلتهم.

اليوم تعود ذكرى عاشوراء مجددة أحزان قرون من الدماء سالت لتسقي شجرة الفتنة التي نريد أن نجتث جذورها. فلنجعل من هذه الذكرى مناسبة لفتح صفحة جديدة نغلق من خلالها بوابات الجحيم التي تنفث نيرانها علينا من كل صوب، ونوقف من خلالها أنهار الدماء التي تجري مستنزفة أرواح أبناء الأمة وطاقاتها وخيراتها.

في أحداث عاشوراء من الدروس والعبر ما يمكن أن يكون قاعدة نؤسس عليها علاقة جديدة بيننا نحن أفراد الأمة الواحدة بمختلف مذاهبها، كي ننطلق إلى المستقبل بدلا من التخندق في الماضي وأحداثه المؤلمة. ندعو إلى قراءة أوراق التاريخ قراءة جيدة لنخرج منها دون أن نلطخ أيدينا ومشاعرنا وعقولنا بالدماء لأننا جميعا - سنة وشيعة - ضحايا، نبحث عن مخرج لهذه الأزمة التي حان أوان الخروج منها والتخلص من تبعاتها التي أثقلت كاهل أكثر من ثلاثة عشر قرنا من التاريخ والجغرافيا والبشر، ومازالت تلقي بظلالها على الحاضر، وتوشك أن تطيح بالمستقبل.

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com