بصراحة، ومن دون تدوير لزوايا الكلام، المواجهات الدموية الجارية في غزة مخزية ومشينة. هذا أقل ما يقال فيها وعنها، وبما يتناسب وهذه اللحظة الفلسطينية الكالحة السواد وغير المسبوقة في انفلاتها، كما ليس في خانة المفردات الصالحة للتعبير عن مشاعر الوجع والصدمة والذهول ازاء الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني، أخف من ذلك. بل هو قد لا يكون كافياً أمام هول ما تشهده الساحة، التي عجزت نكبة الاحتلال عن الجمع بين فرقائها. أو على الأقل عن حملهم على تهيّب القيام بما يشتهيه العدو الإسرائيلي لهم.
في غضون 48 ساعة يبلغ عدد ضحايا اقتتال «فتح» و«حماس» 24 قتيلاً. أي بمعدل قتيل كل ساعتين. وعمليات الكرّ والفرّ لاتزال، حتى اللحظة، متواصلة. وبدلاً من تدارك الموقف، انفجرت حرب الاتهامات على مداها؛ وطارت جلسات الحوار ليبقى الشارع المسلح، ساحة التخاطب الوحيد، بين الطرفين.
وإذا كانت محاولات التلاقي ورأب الصدع بينهما قد تعثرت، لتعذر تجاوز العقبات الخلافية المعروفة؛ فإن اندفاع الأمور ووصول التدهور في العلاقة إلى هذا الحدّ، لابدّ وأن يضاعف من العوائق ويزيد في تفاقم الخلافات. خاصة وأن هذه العلاقة مضى عليها سنة من التأزم والتنابذ والمواجهات المتقطعة.
والآن، تبدو الأمور وكأنها أخذت انعطافة حادة نحو الأسوأ؛ الذي يخشى من أن يكون مفتوحاً على المزيد من التردّي والإيغال في الاحتكام إلى السلاح لاسيما وأن جولات الحوار العديدة، السابقة للانفجار، استهلكت من الوقت أكثر من اللازم بكثير ولم تنجز سوى توافقات وهدنات أمنية هشّة؛ كانت تتهاوى عند أصغر اهتزاز.
هل كانت الأطراف الفلسطينية المعنية تشتري الوقت فقط، أم انه كان من الممنوع عليها أن تحقق التوافق بينها على مشروع تحالف وطني مرحلي؟ السؤال برسم هذه القوى. وهي مطالبة الآن، بعد الذي حصل وما ينذر به من انهيار جارف، بالإجابة عنه.
الخط الذي رست عليه أزمة «فتح» ـ «حماس»؛ من المفترض أن تكون نهاياته معروفة وبالتالي مرفوضة. وإذا كانت هناك ثمة أوهام حول ذلك؛ فإن تجارب الساحات الأخرى المجاورة في المنطقة تقدّم الجواب الشافي والدليل الثابت على المآل الأخير المحتوم للمضيّ في خيار الإضراب الداخلي وتوسّله كأداة للحسم والانفراد بالساحة.
لم يصح ذلك في العراق ولا قبله في لبنان ـ الذي نرجو أن يتّعظ بتجربته المريرة السابقة ولا ينجر مرة أخرى إلى الطريق ذاتها ـ ولا في الصومال أو أي ساحة أخرى.
الانجرار هذا سهل. لكن الخروج منه مسألة ثانية، ولن يتيسّر إلا بعد حين بعد أن يكون النزف قد ترك في الجسم اعطاباً مدمرة. فهل الجسم الفلسطيني بحاجة إلى المزيد من الاعطاب؛ أم هو قادر على احتمالها؟
الوضع الفلسطيني يمرّ في تجربة قاسية. هو أمام امتحان عسير: إما أن يواصل طريق ضرب السلم الأهلي والقضية وأصحابها وإما تغليب الحكمة والعقل. فالفارق مصيري بين تغليب الحكمة والعقل وبين تغليب الحسابات الصغيرة والاوهام الكبيرة.