تعبئة الفراغات على مقاعد الدراسة في الصغر وسد الثغرات في غمرة الحياة في الكبر.. معادلة لا أحد يدري إلى متى سيبقى الإنسان العربي يلهث وراء آلياتها التكميلية التي لا نهاية لها ولا دخل له في رسم مقدماتها أو قطف ثمارها أو توريثها للقادم من الأجيال.
في حالة الفراغات واضعها معروف ومقصدها محمود، فتلك وسيلة تعليمية معتمدة في سائر البرامج التعليمية في العالم أجمع، لكن الفاعل في حالة الثغرات غالباً مجهول أو متجاهل ومقصده مشبوه دائماً، فتلك ممارسة سياسية دنيئة تتعلق بسد الثغرات لديهم وفتح أبواب جهنم، من حروب ومجاعة وأوبئة، لدينا.
تلك الثغرات، التي فتحوها هم ويحرصون على بقائها على هذا النحو، قد لا تقتصر على نموذج واحد فقط، بل غالباً ما تتعدد لتشكل في آخر النهار مثلثاً أو مربعاً أو معيناً، فكلما تعددت الأضلاع وتقاطعت أكثر باتت فائدتها أعم وأشمل خاصة وأنها تختصر المسافات .
وتجعل كل مقدرات هذه المنطقة وغيرها من العالم لقمة سائغة بين فكي عملاق الاحتكارات الكبرى في الدول العظمى، التي لا هم لها سوى مراكمة المزيد والمزيد من الأرباح والثروات عن طريق سرقة ما تبقى من موارد طبيعية وبشرية وغيرها، بغض النظر عما يمكن أن تسببه من كوارث اجتماعية واقتصادية وسياسية لشعوب يبدو أنها باتت عاجزة حتى عن سد الفراغات على مقاعد الدراسة لاسيما بعد أن باتت بمثابة الوقود اللازم لتشغيل آليات سد ثغراتهم هم.
من العراق إلى لبنان مرورا بفلسطين، ترتسم ملامح مثلث جديد تخط أضلاعه بدم وأرواح أبناء هذه المناطق الثلاث من العالم العربي، فهذا هو المبتغى والمشتهى وجل ما يمكن لعدو أن يكيده ضد خصم قد انتهى أمره محشوراً في زاوية غير مرئية من المشهد الدامي، علماً بأن المثلث كشكل هندسي ليس هو المبتغى .
ولا الصيغة النهائية اللذين قد تغدو عليهما المنطقة، فربما يزيد عدد الأضلاع ويتضاعف ويتشابك ويتغير الشكل الهندسي للمعادلة الفتاكة، لكن دائما مع الحفاظ على الجوهر المتمثل بمبدأ خوض الحروب والصراعات بالوكالة عن الآخرين، وتحديدا بالوكالة عن المراكز الاحتكارية تلك، ذلك المبدأ الذي بات الدجاجة التي تبيض ذهبا بالنسبة لتلك المراكز.
ما يزيد الطين بلة هو أن تلك الدجاجة تتمتع بمستويات منقطعة النظير من الخصوبة بين ظهراني العالم العربي وإنتاجه من البيض الذهبي لم يعد حكرا على الجزء الآسيوي من جغرافية الناطقين بالضاد، بل بات يشمل ذلك الجزء العربي من القارة السمراء أيضا، حيث يمر السودان بتجربة صراع داخلية نكاد، لطولها، ننسى متى ولماذا بدأت وكيف السبيل إلى إغلاق هذا الملف الشائك.
وحيث يمر الصومال بتجربة أنموذجية في تبني وتطبيق القاعدة الاستعمارية الذهبية تلك، في حين أن هناك المزيد والمزيد من التجارب المنظورة على المديين القصير والمتوسط في أكثر من بلد عربي وكلما استدعت الحاجة استخدامها، خاصة وأن هناك ما يكفي ويزيد من بذور الفتن والصراعات الداخلية، التي تمتد جذورها إلى منبع تاريخي بعينه يتجسد بمعاهدة سايكس ـ بيكو، التي تم عقدها بين قوتين عظميين تقاسمتا على أساسها العالم إثر سقوط الامبراطورية العثمانية في الربع الأول من القرن الماضي،.
والتي رسمت خارطة المنطقة العربية بدقة متناهية وبأسلوب مكار بحيث تبقى هناك بذرة فتنة عرقية أو مذهبية أو جغرافية أو حتى قبلية في كل جزء حيوي منها، على أن يصار إلى توفير الشروط اللازمة لازدهارها حسب الطلب.
خلاصة القول إن أي تحليل سياسي للأوضاع الداخلية المتفجرة في غير مكان من المنطقة لا يستند إلى معاهدة سايكس ـ بيكو التقسيمية وأبعادها وتداعياتها، هو عاجز بالمطلق عن ملامسة ما يجري بصورة حقيقية، وإن المخرج الوحيد الممكن من سلسلة الصراعات الداخلية المتعاقبة إنما يقوم على مراجعة وإبطال بنود تلك المعادلة وانعكاساتها الجيو ـ سياسية، التي لا تخص المصالح العربية بشيء.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا السياق سؤال صيغ مرارا وتكرارا منذ أن سلمت هذه الأمة قياد أمرها للأجنبي ورضيت بما يقدمه لها من فتات.. ذلك السؤال هو: إلى متى سيبقى ماضي وحاضر ومستقبل هذه المنطقة المنكوبة متوقفاً على مشيئة الغير.