في تطور مهم أعلنت مصر رسميا أنها «حذرت» أندرو ناتسيوس المبعوث الأميركي الجديد للسودان من مخاطر السعي إلى مواجهة مع الخرطوم بسبب أزمة دارفور مع بداية زيارته الأولى لها، وقالت الخارجية المصرية في بيان أن وزير الخارجية أحمد أبو الغيط أبلغ ناتسيوس أنه يتعين على واشنطن السعي إلى الوصول لأرضية مشتركة مع الخرطوم.

فيما يتصل بقرار مجلس الأمن القاضي بنشر قوات دولية قوامها 20 ألفا في إقليم دارفور السوداني المضطرب. البيان الرسمي المصري منعطف مهم في مسار العلاقات العربية الأميركية التي شهدت ترديا كبيرا منذ إطاحة النظام العراقي بالقوة، وبخاصة أنه موقف أحد الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة والعضو الأهم في «تحالف المعتدلين» الذي أثار الكثير من الجدل اجتماع أطرافه في القاهرة قبل أيام.

السودان المريض

الذي لا شك فيه - بغض النظر عن الخلافات حول طرق العلاج - أن السودان مريض وأن مرضه قديم وتكاليفه باهظة، فسواء قبلنا الموقف الأميركي أو رفضناه فإن هذا لن يغير حقيقة أن مليونين من الضحايا سقطوا في الحرب الأهلية في جنوبه، وهو رقم كبير جدا بل ربما كان أضعاف ضحايا الصراع العربي الصهيوني بكثير.

وبطبيعة الحال فإن الأزمة التي بدأت في خمسينات القرن الماضي ولدت وتفاقمت تحت سمع وبصر النظام الرسمي العربي الذي لم ينجح في القيام بدور يغلق الباب أم تدويل الصراع، حتى فوجئت بعض العواصم العربية باتفاق ماشاكوس الذي كان الخطوة الأولى نحو «تقسيم» السودان عبر إقرار حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية ضاع قسم كبير منها دون أن يقدم السودان شيئا لسكان الجنوب يجعلهم يصوتون للبقاء ضمن «سودان موحد» بعد انتهاء الفترة الانتقالية، لأنه كان على موعد مع أزمات أخرى في الشرق والغرب.

والخلاف على العلاج معناه الإقرار بأن السودان مريض، وتقتضي الأمانة مع النفس الإقرار بأن مرضه ليس وليد التدخلات الأجنبية وحدها، فلا تستطيع قوة في العالم أن تمزق نسيج أمة مترابطة، لكن أية قوة تستطيع استغلال الثغرات لتوسعها وهو ما حدث في السودان.

ولفهم المشكلة السودانية بعيدا عن «فزاعة المؤامرة» ثمة مداخل عديدة، لعل أهما التكوين التعددي الذي يتميز به فهو «دولة قارة» إذ تتجاوز مساحتها 5 ,2 مليون كيلو متر مربع وهو ما يساوي مساحة أوروبا الغربية كلها، وتضم هذه المساحة الشاسعة تركيبات تعددية كثيرة فمن الناحية القبلية هناك أكثر من ستمئة قبيلة وكذلك هناك التنوع العرقي: النيلية، الحامية، والزنجية.

والتنوع اللغوي: العربية، الإنجليزية واللهجات القبلية حيث يوجد أكثر من 110 أنواع بين لغة ولهجة محلية، وفي الجنوب وحده 53 لغة ولهجة. أما من ناحية التنوع الديني: فيتركز المسلمون في الشمال ويمثلون 70% من إجمالي السكان، أما في الجنوب فإن: 17% من السكان مسلمون و17% نصارى و65% وثنيون ولا دينيون.

وقد استغلت جهات عديدة حالة عدم الاستقرار وتدني كفاءة الدولة التي سادت خلال نصف القرن الماضي، للعب على وتر هذه الاختلافات، وبالتالي فإن المشكلة الحقيقية في السودان هي تدني كفاءة الدولة. وقد اعترف السودان متأخرا جدا في مشاكوس بوجود استئثار بالسلطة والثروة معلنا قبوله مبدأ تقاسمهما في الاتفاق.

ثقافة وسياسة ومصالح

والمشكل الذي يبدو سياسيا أصبح مجرد واجهة لثقافة متكاملة وصورة نمطية تراكمت مفرداتها عبر الزمن، مكونة صورة أقرب إلى صورة «الرجل المريض» العثماني في الدبلوماسية الغربية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ومن التفاصيل التي يجب التوقف عندها في هذا البناء الثقافي الجديد الذي يشكل خطرا يفوق خطر القوات الدولية بكثير، أن هناك صورة نمطية يتم تسويقها إعلاميا وسياسيا للمواطن السوداني الجنوبي باعتباره «ضحية أبدية».

ولا جدال في أنه تعرض لظلم وإهمال فكان ضحية مظلومة أيام تجارة الرقيق وكان ضحية للتنمية غير المتوازنة ثم ضحية للعنف، لكن الأخطر هو أن من يرفعون شعار «إنصاف الجنوبيين» والتخلص مما يسمى «الهيمنة الشمالية» ليسوا مفاتيح تحرر حقيقي، بل يهدفون في واقع الأمر إلى استبدال هيمنة بأخرى بحيث يظل المواطنون البسطاء ضحايا مسلوبي الهوية حتى عندما يتصورون أنهم «انتصروا».

فمع الإقرار بوجود استثناءات نادرة - والشهادة هي للكاتب السوداني الدكتور منصور خالد - فإن القادة الجنوبيين هم من الذين احتضنهم المبشرون الدهاة، بل انتزعوهم قسراً من أسرهم في حالة أبناء زعماء القبائل والأسر ذات النفوذ وأزالوا هويتهم الإفريقية الأصيلة حتى صاروا يخجلون من لغاتهم الثرية ويفضلون عليها الإنجليزية، ويخجلون من أديان وتقاليد آبائهم وأجدادهم لئلا يتهموا بأن إيمانهم المسيحي المكتسب ناقص أو سطحي.

وهكذا فإن ما يربطهم فعلياً بهوية المواطن الجنوبي البسيط ليس أكثر من خيط واه، ولو آلت إليهم الأمور فالاحتمال الراجح أن يستبدلوا ما يعتبرونه «طغيان اللغة العربية» بسيادة اللغة الإنجليزية (على حساب اللغات المحلية). ولعل هذه الحقائق تكون مفتاحا لفهم سبب طغيان مفردات «الجهاد» على الخطاب الرسمي السوداني مؤخرا.

دارفور الملهاة المأساوية

وإذا كان درس الجنوب قد مر دون أن يستوعب النظام الرسمي العربي - ومعه النظام السوداني - دروسه، فإن مأزق دارفور يحفل بما هو أخطر. فالدولة السودانية تستطيع أن ترفض بإصرار كما تشاء السماح بوجود قوات دولية، لكن هذا لن يغير حقيقة أن الأوضاع في دارفور مأساوية، فهناك عنف تسبب في مقتل ما يزيد على 200 ألف وفرار ملايين من ديارهم منذ تفجر الصراع في 2003.

وكل حديث عن «مبالغات» يعني الإقرار بأصل المشكلة لكن التسويف الذي طال بأكثر مما ينبغي في اتخاذ إجراءات قد تكون مؤلمة هو مشكلة السودان الحقيقية، فالتركيز المبالغ فيه على الحفاظ بأي ثمن على سيادة الدولة لم يقابله عمل جاد لرفع كفاءة هذه الدولة وحل مشكلات تقاسم الثروة والسلطة. والتحذير المصري الأخير جزء من منظومة فقدت الكثير من «منفعتها الحدية» حسب تعبيرات الاقتصاديين.

وإذا كان الإعلام الأميركي يحفل بالكثير من التحليلات عن المقايضة الضمنية التي تعرضها أطراف عربية على أميركا لتقبل دورا في تحريك مياه التسوية الراكدة في القضية الفلسطينية مقابل تخفيف حدة الضغوط الأميركية لإحداث تغييرات ديمقراطية.

فإن مثل هذا الدور الذي تحتاج إليه أميركا بشدة قد لا يكون ورقة مساومة مناسبة في الملف السوداني، والحل الحقيقي يكمن في الإقلاع عن إدمان تأجيل الاستحقاقات الذي يسم السياسة العربية، ومواجهة حقائق الواقع بشجاعة - دون تنازل - وتجرع الدواء مهما كانت مرارته، فالسودان فعلا مريض!

كاتب مصري