احتضنت العاصمة القطرية (الدوحة) الأسبوع الماضي، (4) فعاليات دولية مهمة ومتنوعة، فكرية وثقافية ودينية واقتصادية، هي (مؤتمر الدوحة لحوار المذاهب الإسلامية) و(ندوة التحولات المجتمعية وجدلية الثقافة والقيم) و(ندوة منتدى الفكر العربي حول دولة السلطة وسلطة الدولة) و(منتدى سيناريوهات التخطيط واستشراف مستقبل التعليم والطاقة).
استقطبت هذه الفعاليات صفوة من كبار المفكرين والعلماء والباحثين، كما حضرها بعض الشخصيات السياسية البارزة، في مقدمتهم الأمير الحسن بن طلال (الأمير المثقف)، وتناولت هذه اللقاءات مختلف القضايا الفكرية والسياسية الراهنة، في فضاء نقدي شفاف، مفتوح لكل الاجتهادات والرؤى دون أية خطوط حمراء تحد من حرية المداولات والطروحات مهما اشتدت سخونتها.
وبمناسبة (مؤتمر الدوحة لحوار المذاهب الإسلامية) فالملاحظ خلال الثلاث سنوات الأخيرة تصاعد الاهتمام بالتقارب بين المذاهب الإسلامية بهدف تفعيل القواسم المشتركة بينها، وكذلك تفعيلها بين الأديان السماوية، وقد حضرت شخصياً العديد من هذه المؤتمرات.
ولكن لا بد من المصارحة بأن جدوى هذه المؤتمرات قليلة حتى الآن، لأن المؤتمرين يأتون وهدف كل طرف إفحام الخصم الديني أو المذهبي ومحاولة الانتصار عليه والدفاع عن معتقده ومذهبه ومفاهيمه واجتهاداته في مواجهة الخصم. وهناك من يأتي وهدفه جر (المؤتمر) لساحة المعترك السياسي وتوظيفه للهجوم على سياسات ودول وأنظمة، أو تصفية حسابات مذهبية تاريخية.
وبدلاً من أن تحقق تلك المؤتمرات أهدافها في تحقيق فهم أفضل للذات وللآخر المختلف، وتفعيل المشترك المذهبي والديني وتحقيق التعايش المشترك، ومحاولة إزالة الصورة السلبية النمطية لكل طرف تجاه الآخر، فإن (المؤتمرين) ينفضون ويعودون إلى دولهم وهم أكثر تباعداً وشقاقاً!!
المؤتمرات الحوارية ضرورية وهي مجدية إذا أتى كل طرف وعنده الاستعداد لسماع ما عند الآخر من مظلمة أو شكوى من غير تعصب وتشنج ومكابرة، وبأن يتحلى كل طرف بشجاعة الاعتراف بأخطائه تجاه الآخر ثم أيضاً شجاعة الاعتذار.
ثم وهو الأهم ترجمة التوصيات إلى سياسات عملية وخطوات ملموسة على أرض الواقع، وعلاجات فعلية على كل المستويات السياسية والقانونية والتعليمية، بحيث يحظى أتباع المذاهب والأديان المختلفة بمعاملة عادلة وفرص متكافئة في الخطاب التعليمي والإعلامي والتشريعي والديني .
وفي مجال المناصب القيادية، لأن الأقليات المذهبية والدينية والقومية في مجتمعاتنا لا تزال تعاني تمييزاً وتهميشاً في العديد من المناصب القيادية والتوجيهية وفي مجال الخطاب الديني والتعليمي، ويجب أن تصاحب كل ذلك مراجعة واعية لمضامين المناهج الدراسية والإعلامية والدينية لإزالة ثقافة التعصب والكراهية تجاه عقائد الآخرين ومذاهبهم وقومياتهم.
إن «ثقافة الكراهية» التي من أبرز تجلياتها: التطرف والتعصب والطائفية والتكفير والتخوين، هي أصل البلاء. إن «ثقافة الكراهية» هي الأساس في ترسيخ واستدامة «الاستبداد»، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي كنظام تسلطي في التربة العربية على امتداد قرون مظلمة عديدة سادها نمط «الخلافة» التي لم تنجح مطلقاً في تحقيق مبدأ «العدل» الذي أمر به الإسلام «إذا استثنينا فترة الخلفاء الراشدين»®.
لقد كانت الحصيلة المرة هي الصراعات المذهبية والطائفية والسياسية والعشائرية وتمزق دولة الخلافة إلى دويلات متناحرة ومجازر دموية ضد الخصوم السياسيين، وضعف عام وسلبية وتخلف شمل جميع الأوضاع، ومصادرة لحريات الشعوب وانتهاكاً للكرامات.
وانطلاقاً من هذه القناعة كانت لي مساهمة بورقة عن «الاستبداد وجذور ثقافة الكراهية» في ندوة مهمة، نظمها «المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث بقطر» بعنوان «التحولات المجتمعية وجدلية الثقافة والقيم»، وأحاول في هذه المقالة تلخيص بعض ما جاء فيها.
«الاستبداد» في اللغة هو الانفراد بالأمر. وهو ـ أيضاً ـ التصرف في شأن الغير من غير مشاورة، وهو بهذا المعنى يشمل صوراً عديدة من التسلط المجتمعي فلا يقتصر على استبداد الحاكم بشعبه، بل أيضاً استبداد الأب والزوج والمعلم وزعيم الحزب والمثقف بالآخرين. ورغم مشاريع الإصلاح التي بدأت قبل أكثر من قرن ونصف وحاولت تشخيص وتشريح «جرثومة الاستبداد» المزمنة.
في الأرض العربية، وطرحت التساؤل النهضوي الكبير: «لماذا تقدم الآخرون وتخلفنا؟! إلا أن الاستبداد صمد في وجه مشاريع الإصلاح القديمة، مثلما صمد في وجه مشاريع الإصلاح الحديثة عقب زلزال الحادي عشر من سبتمبر والتي أثمرت قشوراً إصلاحية خارجية. وكانت بعض الأنظمة العربية أكثر ذكاء ومراوغة إذا التقت على جميع مطالب الإصلاح الحقيقية!!
وقد طرحت تساؤلاً: لماذا لمك تنجح مشاريع الإصلاح القديمة الحديثة؟!
وكان جوابي، بسبب افتقاد الرؤية المتوازنة، لأن المشروع الإصلاحي القديم ارتكز على «الإصلاح السياسي» بمقولة (إذا صح الحاكم صلحت الرعية) وتجاهل الإصلاح الاجتماعي والمجتمعي (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، فذار الإصلاحيون في فلك السلطة (تأييداً أو معارضة) فلا صلح الحاكم ولا صلح المحكوم، أما في المشروع الإصلاحي الجديد فتم تضخيم عامل الصراع الخارجي والمواجهة والجهاد ضد الخارج، على حساب الإصلاح الداخلي والجهاد ضد التخلف والعجز وهو الجهاد الأكبر» وهكذا استطاع حكم الفرد أن يصمد رغم كل مظاهر التحديث.
ولكن ما علاقة الاستبداد بـ «ثقافة الكراهية»؟ العلاقة تكافلية، فالاستبداد لكي يستمر بحاجة إلى ثقافة تبرره، وهذا ما يفعله بعض كبار مثقفينا الذين مازالوا يبررون خطاياً وآثام حكام مستبدين قهروا شعوبهم وقادوهم للهزائم. كما أن «ثقافة الكراهية» تجد في مناخ الاستبداد مجالاً للانتشار. وما الشباب الذي يفجر نفسه إلا أبناء لتلك الثقافة. وأما روافد ثقافة الكراهية فعديدة:
التعصب والإقصاء والخطاب التعليمي الأحادي، والخطاب الإعلامي التحريضي الذي يضخم سلبيات الآخر ويتجاهل سلبياته، والخطاب الديني المذهبي والطائفي الذي يرى أي نقد للتاريخ نقداً للدين وأي نقد لرمز ديني نقداً للقدسية!! والخطاب الأيديولوجي الذي يلقي اللوم على الأيديولوجي الآخر، والتوظيف السياسي للدين، واستغلال منابر بيوت الله للأجندة السياسية والخطاب التشريعي الذي يميز ضد المرأة والأقليات.
ما العمل لتجاوز وتفكيك ثقافة الكراهية؟ بتفعيل خمسة مفاصل مجتمعية: (التعليمي) بتبني المنهج النقدي، و(التربوي) بترسيخ ثقافة الحوار والتسامح، والديني) بتعميق المشترك المذهبي والديني، و(الإعلامي) بترسيخ وإشاعة مفهوم _المواطنة)، و(التشريعي) بمراعاة العدالة مع المرأة والأقليات.. ولعلنا نفلح في الإقلاع.
كاتب قطري