يخسر الفلسطينيون واللبنانيون كثيراً بل كل شيء حال سماحهم لتداعيات الأوضاع أن تسوقهم إلى مصيرها المشؤوم.
ولم يكن الأشقاء بحاجة أو اضطرار لأن تتفجر الأمور وتشتعل الحرائق وتسيل الدماء كي يدركوا أن المخارج والحلول الحوارية والتوافقية أجدى وأنفع لهم كقوى سياسية ولوطنهم وشعبهم. وصراع الإخوة أمر يدمي قلوبنا بكل تأكيد، وما يحز في النفس بشأنه ويضاعف من مراراته ما يبدو عليه من مقاومة أو عناد متصلب في إبداء عدم الرغبة في التعلم من التجارب القاسية التي مرت بهم، مع علمهم المسبق أن تجربة المجرب خطأ، وخطأ قاتل بل مدمر.
وإذا غابت المصالح والحقوق الوطنية عن الذهن والالتزام الأخلاقي فلا غرابة أن يكون الهامش أو الإهمال لدرجة الإهدار من نصيب الأبعاد الخارجية للمسئوليات تجاه الآخرين.
ويصعب في مثل هذا التطور المأساوي مخاطبة أطرافه بما يرتكبونه من جنايات بحق أمتهم العربية وما يتسببون فيه من نكبات لمحيطهم الإقليمي، فمن هان عليه أهله لا يرتجى منه أن يخفق قلبه على جيرانه وغيرهم ممن تجمعه بهم روابط إنسانية وروحية على الامتداد الجغرافي لتواجدهم.
وخسارة أخرى تنزل بالإخوة في لبنان وفلسطين جراء تجاهل هذا البعد والإساءة إليه ترتيباً على نتائجه التي يتمثل أقلها فداحة وضرراً أن يصاب الأقربون إليهم بحالة فقدان الثقة بهم وانحسار التقدير لهم إلى الحد الذي قد يضطرهم لمراجعة وتعديل مواقفهم التضامنية معهم كأطراف سياسية أو مكونات طائفية وقادتهم أول الخاسرين..
ولطالما أن للتصدعات اللبنانية والفلسطينية تداعياتها الإقليمية فلا بد للسعي والجهد الإقليمي أن يتحرك وينشط في اتجاه الحيلولة دون حدوث ذلك.
ونذر التدهور تهب على المنطقة من جهاتها المختلفة حيث صارت بؤر التوتر محيطة بها وتزحف حرائقها إليها قادمة من اضطرابات افغانستان ونزيف العراق وفتنة لبنان وفلسطين وامتداداتها في السودان والصومال والمرشحة للاتساع والامتداد إلى دول أخرى أقربها إلى الاحتمال كل من إيران وسوريا الواقعتين في مجال الاستهداف السياسي القابل للتحول إلى هدف عسكري.
وأن يتنادى الشرق الأوسط الكبير إلى عمل مشترك يحول دونه والانهيار واحدة من الخطوات التي يفرضها الوضع أو التحدي المصيري الذي بات يواجه ويتهدد مجتمعاته، وعلى هذا الشرق أن يلتقي ويتوافق أولاً على أولوياته التي تحفظ له عوامل السلامة الجماعية وأن يبني عليه، ثانيا تحديده لأجندته الحاوية على متطلبات ومستلزمات بناء علاقة سوية بين الشرق الأوسط والقوى الدولية لا شك أن أساسها الاحترام المتبادل وتبادل المنافع والمصالح المشتركة.
وما أثبتته المتغيرات الأخيرة وتطورات التدخل الخارجي في المنطقة أن المزيد من التدهور ينتج المزيد من الأعباء والخسائر للأطراف الدولية.
وفي ضوء ذلك تلوح بشارات التفاهم والتوصل إلى قناعة الاحتكام إلى قاعدة لا ضرر ولا ضرار طالما والكل خاسر في الأوضاع المضطربة، ولا بد من تدارك الموقف حتى لا يحصل الانهيار الكبير.