في لبنان، كما في فلسطين، تراجعت الاولويات الوطنية وأهرقت دماء الاشقاء، وبلغ التحفز أشده، على خطوط تماس وهمية، كان يفترض ان تكون خطوط الاخوة والقضية الوطنية الواحدة .
في لبنان، باتت مظاهر واصابع الفتنة واضحة، في تحركات كان هدفها ايقاظ الفتنة. قناصون ظهروا فوق اسطح البنايات، جاؤوا الى الاحداث من سياق قديم، سياق الحرب الاهلية السابقة التي دمرت لبنان وتركت بصماتها الماساوية في شعبه. هدف هؤلاء هوالعودة الى تلك الدائرة المفرغة والمفزعة، ائرة الفعل الدموي ورد الفعل، دائرة ارتهنت لبنان طويلا .
اما في فلسطين وعلى الرم من كل المحن التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، فان بعض احزابه وخاصة التنظيمين الاهم «حماس» و «فتح»، يستمران في ترف الخلاف والخصام، والتقاتل في بعض الاحيان كما يحدث الان، ويتناسيان الاجماع الفلسطيني حول قدسية الدم الفلسطيني .
مرة اخرى تعود « فتح» و «حماس»، الى تلك الممارسات «المليشياوية» باختطاف مسؤول من هذه الجهة او حصار مسؤول من الجهة الاخرى، والتهديد بقتله، كما حدث بالامس في اراضي السلطة الفلسطينية .
وقد تجاوز الطرفان بعد، الحاجز الذي ظل بمقتضاه الدم الفلسطيني حرام، وسمح هذا الطرف اوذاك لنفسه باراقة الدم الفلسطيني، في وقت تعمل فيه اسرائيل على مزيد تاجيج الفتنة، ودفع القيادات الفلسطينية الى تبني اولويات وهمية، وجعل كل جهود القوى الفلسطينية تنصب في الكيد الى بعضها البعض، وفي الاساءة الى نضال بعضها البعض، فيما تتوارى الاولويات الوطنية الحقيقية تدريجيا، وراء المؤامرات الاسرائيلية المستمرة ووراء الاطماع المعلنة في مزيد الاستيلاء على حقوق الشعب الفلسطيني .
في لبنان، كما في فلسطين، ايادي الفتنة مكشوفة، وهي تتحرك طبقا لاجندة اجنبية، واضحة ومعلنة، هدفها، ارساء «الفوضى الخلاقة»، التي تجعل الاشقاء يسبحون في برك دمائهم، كما في العراق، وكما يخطط لذلك في لبنان وفلسطين، لا سمح الله. وهوهدف لا يخدم سوى مصلحة تلك الايادي الاسرائيلية ، والاجنبية الاخرى.
وما كل الخلافات المطروحة حاليا، في لبنان اوفي فلسطين، الا مشاريع للفتنة النائمة، في انتظار تلك الايادي العابثة والمتامرة لايقاظها. لأن الخلافات، أي خلافات بين ابناء الوطن الواحد، انما هي قابلة للحل، اذا كانت النوايا مخلصة، عبر الحوار، والحوار أولا وأخيرا .
كما انه مطلوب، في لبنان، كما في فلسطين، وكذلك في العراق، تحرك عربي مسؤول لجسر الهوّة، ولمنع تلك الايادي العابثة من مزيد الحاق الضرر بالوحدة الوطنية في هذه البلدان، فذلك هو مربع الدفاع الاخير الذي اذا ما نجحت «الفوضى الخلاقة» في التسرب اليه، فانها ستجتاح كل بلداننا، خلافات وصراعات، ثم خرابا ودمارا، لا سمح الله .