كما في فلسطين، الحال في لبنان، بفارق صغير هو أن حرب الأضداد لم تأخذ شكلها العسكري الذي اتخذه الصراع بين السلطة والحكومة في دولة فلسطين التي لم تر النور بعد.
فإقامة الدولة الفلسطينية التي تحدث عنها اتفاق أوسلو، رغم كل التحفظات والملاحظات التي صاحبته وما صدر عنه، هي بداية تكوين الدولة التي حلم بها الفلسطيني الذي أذلته سنوات اللجوء وما زالت.
بدأ الفلسطيني في بلاد الشتات يتحدث عن الوطن، متلافياً كلمة السلطة لشعوره أن الأخيرة قد تزول في أي لحظة من اللحظات أما الوطن فهو باق، طالما بقي فلسطيني يطالب بحقه في أرضه، وبحقه في أن يحظى بكيان يحمي وجوده.
ربما، ما يجري في فلسطين بين فتح وحماس أمر صحيّ على المدى الطويل، لتكوين رأي عام محازب لهذا الطرف أو ذاك، على أن يجري الصراع في إطاره السياسي على غرار الدول الديموقراطية. ولكن ما هو حاصل، وحتى قبل أن تتكون الدولة ومؤسساتها، يتصارع الفلسطينيون على جلد الثور، وفي هذا الصراع الذي يتصاعد يوماً بعد يوم بأشكال بعيدة كل البعد عن الأساليب الحضارية، تنبعث منه رائحة المؤامرة الإسرائيلية.
فإسرائيل في تكوينها لا تسمح بإقامة دولة فلسطينية وهي، ورغم كل القرارات الدولية والاتفاقيات التي أبرمتها مع الفلسطينيين برعاية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، لم تبد أي استعداد لتنفيذ أي جزء منها، وخاصة ما أطلق عليه خارطة الطريق.
وكما في فلسطين، فوت اللبنانيون على أنفسهم وعلى وطنهم فرصاً كثيرة للخروج من المأزق الذي هم فيه والذي وصلت ذروته في عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فالسجال الحالي بين المعارضة والأكثرية، بات قاب قوسين أو أدنى من انفجار عسكري قد يطيح بما تبقى من اتفاق الطائف الذي رعته السعودية عام 1989 ووضع حداً للحرب اللبنانية التي بدأت عام 1975.
كما أن ما يجري على الساحات وفي شوارع لبنان من شأنه أن يقضي أيضاً على آخر أمل في إنهاض لبنان من أزمته الاقتصادية التي وصلت إلى أكثر من 40 مليار دولار من الديون.
الفلسطينيون، كما اللبنانيون يبدون للعالم أنهم اختصاصيون في إهدار الوقت، إلى أن يثبتوا العكس.