فأل حسن أن تكثر التوقعات باقتراب انفراج الأزمة التي باتت مستعصية على الحل الحواري والتشاوري من داخل لبنان مع زيارة الأمين العام لمجلس الأمن القومي السعودي لطهران الأمير بندر بن سلطان، وفأل خير أكثر أن نسمع باحتمال توسع جهود البلدين المسلمين الشقيقين السعودية وإيران لتشمل المساهمة في انفراج الحلول التصالحية بين العراقيين دفعاً للفتنة المسمومة بين السنة والشيعة وخلاص العراقيين من حروب الاقتتال الطائفية.

وفأل خير إضافي أن نسمع بأن الجهود الإيرانية قد تفرز فيما تفرز عن عودة الود المفقود بين الرياض ودمشق منذ مدة على خلفية الاختلاف في قراءة وقائع وأحداث الملف اللبناني، وسيكون فأل الخير الأكبر إذا ما سمعنا عن قرب انتهاء حقبة القطيعة بين طهران والقاهرة على يد أي من يريد الله سبحانه وتعالى أن يسدده للقيام بهذه الخطوة المباركة ويوفقه في انجازها بالسرعة القصوى!

كل ذلك جيد ومؤشر على وجود مساع حميدة لرأب الصدع بين الإخوة والأشقاء وإعادة الحياة إلى أدبيات حسن الجوار من جهة وأدبيات التفاهم العائلي والأسري، ولكن شرط نجاحه، على ما أظن وأعتقد وبات معروفاً لدى الكثيرين، هو في وجود إرادة داخلية لبنانية ـ في حالة لبنان ـ وعراقية ـ في حالة العراق ـ بأن تكون كلمة الفصل في قضاياهم هي لأهل الداخل أولاً، ومن ثم للإخوة والجيران والأشقاء، وبعد ذلك بكثير للأصدقاء أو ممن يتطلعون ليكونوا أصدقاء أو يزعمون ذلك، فتوضع دعاويهم ومزاعهم تحت الاختبار والامتحان.

نعم فالمشكلة في لبنان ـ ودعونا نبقى فيها ـ هي بالأساس اختلاف حاد بين مدرستين ومنهجين في التفكير بين اللبنانيين أخذ يكبر ويكبر عبر الأيام والأسابيع والأشهر والسنين تداخلت فيه كل عناصر الاشتباك، الإقليمي والدولي الصديق والعدو حتى أنتج حرباً أهلية طاحنة ودينية ومذهبية وطائفية مقيتة، ثم أفرزت الحلول التسووية والمؤقتة له بعنوان اسمه «اتفاق الطائف». إلى أن أعيد فتحه من جديد من خلال حادثة الاغتيال الإجرامية الملغومة والغامضة والملتبسة لرئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري.

وهنا بالذات انفتح الجرح المندمل من جديد وعادت المدرستان المتصارعتان إلى حلبة الصراع السياسي وعادت بعض الفرق والنحل إلى «عادتها القديمة»، وانقسم الشارع السياسي اللبناني بين من يريد إحياء مقولة وفلسفة «قوة لبنان في ضعفه».

أي إعادة لبنان إلى ما قبل الوعي العروبي والإسلامي والسياسي الحر التقدمي المتواصل مع محيطه أي قطعه عن كل هذا المحيط وربطه مباشرة فيما وراء البحار تحت ستار وشعار «الاستقلال والسيادة والحرية».

وبين من أوصله وعيه وخبرته وتجربته ومعاناته وتضحياته وممارسات أعدائه وخصومه «بأن قوة لبنان واستقلاله وسيادته وحريته في قوته الذاتية تحديداً».

الفريق الأول أفرز ما سمي بثورة الأرز ووضع في صدر أولوياته القطيعة مع دمشق وطهران وصولاً إلى المطالبة بما سماه بعودة «الانتداب» بكل صراحة، بينما تمسك الثاني ولا يزال بكل قوة بأن لا حل ولا حلول ولا تعايش ولا بقاء للبنان السيد والحر والمستقل إلا بتعايش كل أبنائه في إطار خصوصية لبنانية مستقلة عن التجاذبات الإقليمية والدولية، ولكن متواصلة بقوة بمحيطه العروبي والإسلامي لأن ذلك فقط هو الذي من شأنه أن يجنب لبنان إعادة إنتاج حروب طائفية أو مذهبية أو أهلية جديدة، كما يمنع ابتلاعه من قبل القوى الكبرى سواء عبر عدوه المباشر واللصيق به جغرافياً أي إسرائيل أو خصوم لبنان والعرب البعيدين أياً كانوا، والفرق بين الفريقين هو في الآتي:

الفريق الأول يشعر بأن مشروعه لا يستطيع أن يقوم إلا بالاستقواء بقوى عظمى تستطيع أن تقمع جيرانه من العرب أو غير العرب عندما يختلف معهم، ويعتقد أيضاً أن استقلاله وسيادته وحريته التي يبحث عنها لا تتشكل ولا تتبلور إلا في ظل مشروعات عالمية كبرى متعددة الجنسية، من شأنها أن تمنح لبنان دوراً أياً كان ومهما كان دونياً في الظاهر إلا أنه يحفظ له كيانه ويجنبه ذوبان خصوصيته! بينما الفريق الثاني يعتقد ان مشروعه يمكن ان يقوم على قواعد متينة من العيش المشترك والتعايش السلمي التعددي بين مدارس التفكير المختلفة وشرط ذلك أن يتحصن من الداخل بعدم تدخل القوى العظمى وبشكل أخص العدو اللصيق بأرضه أي الكيان الصهيوني الإسرائيلي.

ويعتقد هذا الفريق أيضاً ان استقلاله وسيادته وحريته لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال إبداع الخصوصية اللبنانية الذي يمكن ان يشكل إضافة للعرب والمسلمين في معاركهم الفكرية والسياسية الكبرى، وعندما يكون لبنان قوياً ومنيعاً تجاه الإغراءات الإسرائيلية أو الضغوطات.

ماذا تستطيع السعودية وإيران ان تقدم لهذين الفريقين من عون في تجاوز هذه المحنة «الخلافية»؟، هنا يكمن الدواء! وهو مشروط بالتشخيص الدقيق والموحد للداء. ثمة من يعتقد في إيران ان «المعجزة» التي يمكن أن يسطرها البلدان هي في إقناع اللبنانيين أجمعين بالاستغناء عن فكرة الاستقواء بالخارج والاستناد للتوافق الداخلي بأي ثمن حتى يمكن للبلدين ان يقدما ما عندهما من إمكانات للبنانيين!

ان الاستقواء بالخارج ـ أي خارج كان ـ هو تحميل لبنان ما لا يطاق وإعادة إنتاج حروب داخلية له، لكن ترك لبنان لوحده أمر لا يجوز أيضاً، فلبنان جزء لا يتجزأ من نسيج المنطقة ذات الهوية العربية والإسلامية. وعلى الجميع بمن فيهم السعودية وإيران وسوريا ان يتعلموا كيف يستلهمون من لبنان الدروس والصبر والإضافات الإبداعية في مجال التعددية والتنوع والتعايش والعيش المشترك، وهذا ما يساعدهم على انجاز مهمتهم «العونية» والاسنادية له بنجاح وامتياز!

وهذا هو سر وامتياز اختلافهم عن المحور الأميركي ـ الفرنسي ـ البريطاني ـ الذي يريد أن يأخذ من لبنان ويأخذ فقط ويعطي لإسرائيل وإذا ما أحسنا الظن فانه يتقاسم مع إسرائيل ما أخذه من لبنان غصباً أو حياءً!

ان على طهران مهمة دعم التضامن العربي حول لبنان بكل قوة حتى يعود العرب مجتمعين مع سوريا إلى جانب لبنان، وعلى العرب احتضان طهران وإعادة الحياة الدفاقة بينها وبين القاهرة خصوصاً على خط دعم لبنان.

كاتب إيراني