المواجهات الفلسطينية وما تحصده من قتلى وجرحى، صارت تبدو ـ أو تكاد ـ وكأنها أشبه بـ «فالج لا تعالج» أو بحالة يجري التعايش معها على أنها جزء من الواقع. كما أن انهيار الاتفاقات الأمنية بين «فتح» و«حماس» والعودة إلى نفس المسلسل الدموي؛ صارت أيضاً هي الأخرى عملية روتينية، تدخل في باب تحصيل الحاصل. وبين الاثنين يتكرر السيناريو ذاته: حقن وتأجيج، مع مراوحة سياسية.

وبالنهاية صدامات وما يرافقها من خطف وتفجير؛ تؤدي إلى لقاءات ومحاولات تطويق ثم الإعلان عن اتفاق جديد.. هذا المشهد المتكرر بات أحد أبرز سمات الوضع الفلسطيني. بخاصة منذ الانتخابات النيابية قبل سنة. لا الوساطات ولا المناشدات ولا المبادرات، نجحت في إخراج الساحة الفلسطينية من هذه الدوامة. بل إن شقة الخلاف بين الفريقين تكبر والمواجهات يزداد قربها من حالة الانفجار الواسع. عدد الضحايا يرتفع من جولة لأخرى.

أول من أمس كانت الحصيلة 9 قتلى وحوالي 24 من المخطوفين. مما يعني أن الانفراج يزداد ابتعاده والتوافق بعيد المنال. كما يعني، وربما هذا هو الأخطر، أن ما يجري الحديث عنه حول الحوار وعن اقترابه من توافقات ولو مبدئية؛ لا يزال أقرب إلى الطموح منه إلى الواقع. فلو كان الأمر كذلك، كان لا بد من أن تنعكس أجواؤه على الساحة بغير هذه الصورة البائسة، بل المفجعة.

وكأن هذه الساحة قد نسيت الاحتلال. أو أنها قد ارتضت تغليب صراعاتها وتصفية حساباتها الداخلية على الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، والمصيبة هنا أعظم. والمفجع هو أن ما تقوم به من اقتتال يصب في حصيلته، في خدمة سياسة التصفية التي تعتمدها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية. وكأن الاشتباكات القاتلة والدورية بين الفلسطينيين تأتي، غير مباشرة، كعون للعدو على الذات!!

لقد مضى عام على هذا المسلسل النازف. خلاله عانت الساحة الفلسطينية وذاقت، ما لم تعرفه من قبل. نزف داخلي واحتلالي مع حصار وتجويع وإحباط؛ ناهيك عن الخسائر التي لحقت بالصورة الفلسطينية في الخارج؛ وعن حالة الارتياح التي وفرها انشغال الفصائل ببعضها وغرقها بأوحال صراعاتها، لإسرائيل. وبالرغم من كل ذلك لم تحصل، حتى اللحظة، الصحوة المطلوبة. أو على الأقل بوادر صحوة، تبشر باقتراب مغادرة هذا النفق.

والأنكى أن الجميع يبدي مخاوفه ويعرب عن الحاجة إلى تدارك الأمور؛ مع التوكيد على أهمية وضرورة اللجوء إلى الحوار لتجاوز الإشكالات وحل المسائل الخلافية والتوصل بالنهاية إلى تأليف حكومة وحدة وطنية منشودة و... إلى آخر المعزوفة. وبموازاة ذلك تواصل الأوضاع سيرها على طريق المزيد من التأزيم والتصعيد؛ وبالتالي المزيد من التباعد وتخصيب الأرضية لتوسيع دائرة الاحتراب الداخلي. وكأن ليس في الأمر احتلال وأولويات؛ ناهيك عن الدروس وظروف المنطقة؛ مع كل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر مهلكة.

مناعة الوضع الفلسطيني ضد التصحيح هل بلغت حالة بائسة؟ يقيناً، القضية الفلسطينية لا تنتمي إلى هذه الحالة. على القوى الفلسطينية أن تسارع إلى ترجمة الحقيقة على الأرض. التأخير يراكم الخسائر ويطيل أمد المحنة.