حاول الرئيس الأميركي جورج بوش استمالة الكونغرس الذي يهيمن عليه الديمقراطيون لدعم خطته في العراق، وبدا في خطابه السنوي عن حالة الاتحاد، بطة عرجاء بحق، وهو يستعطف خصومه كي يعطوه فرصه لتحقيق نصر استعصى حتى الآن، رغم مرور نحو أربع سنوات على غزو بلاد الرافدين، من دون ان يلوح في الأفق أي مؤشر حقيقي على قدرة الجيش الأميركي للخروج من المأزق والأوحال التي علق بها.

بوش الذي اخذ يتودد الى رئيسة مجلس النواب الديمقراطية نانس بيلوس تارة، والنواب المشاكسين تارة أخرى، فشل في الحصول على مبتغاه، بل عكس الخطاب وفقا للعديد من المحللين ضعفه المتوقع فيما بقي له من فترة رئاسته الثانية، في ظل تدني شعبيته إلى ادني مستوياتها منذ بدء الحرب على العراق.

كما كشفت استطلاعات الرأي الى أي مدى تدهورت صورة أميركا في العالم حتى صارت الأسوأ على الإطلاق بفعل السياسات المتهورة واستعداء الأصدقاء قبل الأعداء من قبل الإدارة الأميركية المحافظة التي تهوى خوض غمار المغامرة تلو الأخرى من دون وضع اي وزن لاعتبارات المكسب والخسارة.

ورغم هذه الصورة يصر بوش وأركان إدارته وفي مقدمتهم نائبه ديك تشيني، على الاستراتيجية الجديدة، وإرسال المزيد من الجنود الى المستنقع العراقي، غير عابئين بالمعارضة القوية التي يبديها الديمقراطيون، وحتى عدد من القادة العسكريين، لما تضمنه هذه الخطة من تجاهل شبه تام لتقرير لجنة بيكر - هاملتون التي جنحت الى الحلول الدبلوماسية، والتخفف قليلا من القبضة العسكرية والمشي على ساق واحدة، بعد ان أثبتت الأيام ان الحلول العسكرية لم تفلح في وقف نهر الدماء المتدفق في العراق.

وحتى وبوش يلقى خطابه أمام مجلسي الكونغرس كانت الأخبار السيئة تتوالى، بمقتل أكثر من 150 عراقيا ونحو 30 أميركيا ما بين جندي ومتعاقد امني في اقل من يومين ، وهو ما يعكس هول المأساة التي تعصف ببلاد الرافدين، وتدفع على التشاؤم، بعد ان خرج غول القتل المذهبي والطائفي من القمقم، وانقلب سحر تشجيع الميليشيات على الساحر الذي استعان بها لتحقيق مكاسب سياسية على الأرض.

هذه الأجواء المرتبكة زادت من الضغوط على البيت الأبيض تضاف إلى الضغوط السابقة التي خلفها هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، ودفعت الإدارة الأميركية إلى البحث عن أطواق نجاة تتحمل عبء وتساعد في وقف الحصار قليلا عن المعارضة القوية للإستراتيجية الجديدة بشأن العراق، فكانت جولة رايس على منطقة الشرق الأوسط، حيث انتزعت من دوائر عربية دعما ومباركة لتلك الاستراتيجية، وتبيض وجهها، رغم انها لا تلقى قبولا في الشارع الأميركي الذي ضاق بالسياسات التي جلبت العداء وأساءت إلى صورة أميركا في عيون العالم.

لقد ظن البعض ان الإدارة الأميركية ستعي الدرس، وتختار تصحيح الأخطاء عقب صدور تقرير لجنة بيكر - هاملتون، غير أنها اختارت التصعيد على عكس المتوقع، وألقت بالبيض كله في سلة واحدة، رغم ان الدلائل تشير الى ان الاستراتيجية التي طلب بوش منحها فرصة، ربما تصاب بانتكاسات فادحة قد تنهي اي امل في تحقيق النصر الذي يكافح بوش من اجل نيله، قبل إنهاء مهمة تتسرب من بين يديه يوما وراء الآخر.

وفي خضم هذه الأجواء يبقى الشعب العراقي الخاسر الأول من تجريب الاستراتيجيات والخطط واحدة تلو الأخرى، على حساب أرواح أبنائه الذين بات الفرار واللجوء الى الخارج بحثا عن الأمان أملا للكثيرين منهم، في ظل استمرار القتل على الهوية، والعثور على عشرات الجثث المجهولة والمنكل بأصحابها في الشوارع ومكبات النفايات مع صباح كل يوم جديد .