هل هنالك عودة الروح في الانكباب مجدداً على دبلوماسية الصراع العربي الإسرائيلي وبشكل خاص على المسألة الفلسطينية مع التذكير ان هذا الانكباب قد يكون لهدف تحسين الأداء في دبلوماسية إدارة الصراع أو قد يكون يهدف لولوج باب دبلوماسية التسوية. وقد تكون أهداف البعض، العربي خاصة والأوروبي طموحة وتندرج في الهدف الأخير لكن قدراتها وقيود علاقاتها الدولية وخاصة مع القوة الفائقة تجعلها ترضى بالهدف الأول والأكثر تواضعاً والذي لا يخرجنا من الحلقة المفرغة.

جملة من المؤشرات الخجولة والإيحائية أو الواعدة بتحفظ أو المتحفظة في وعودها تدل على إعادة اكتشاف مخاطر استمرار هذه «الأزمة» على الصعيدين الدولي والإقليمي ولو أن هذه المخاطر تختلف في درجاتها بين طرف وآخر، كما تختلف في تقدير حجم ومدى تداعياتها على الملفات الإقليمية الأخرى المشتعلة.

الإسرائيليون، ليس فقط من أهل اليسار بل من كاديما وبعض الليكود يكتشفون فجأة أهمية مبادرة السلام العربية ولو أن كلاً منهم يضعها في موقع معين على طاولة الشطرنج العربية الإسرائيلية، أو يفككها إلى عناصر ويعيد تركيب أولوياتها.

الأوروبيون يرحبون بشدة بالمبادرة العربية ويشددون على ضرورة دور أوروبي فاعل ويتحمسون لضرورة الدعوة لمؤتمر دولي، إلى «مدريد» أخرى ولو بصيغ مختلفة، حماس وترحيب بدرجات مختلفة بالطبع. والحديث عن مؤتمر دولي لا يعني في الخطاب الدبلوماسي الأوروبي بالضرورة المؤتمر الدولي الذي يفترض ان يعقد في إطار الأمم المتحدة لإعادة إطلاق عملية السلام.

خافيير سولانا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية أحدث نقلة نوعية في خطابه بدعوته إلى تغيير المقاربة القائمة بشأن الصراع العربي الإسرائيلي والتحول من «إدارة الأزمات» إلى «حل الصراع» مما يشكل قطيعة مازالت على مستوى الدعوة بالطبع مع السياق الدولي القائم في هذا الشأن منذ سنوات ست تقريباً.

كوندوليزا رايس تقول عن حصول حلحلة في الملف الفلسطيني تسمح بإعادة إطلاق خريطة الطريق وتحريك دور «الرباعية». والمبادرة العربية أخذت بالدخول إلى الخطاب الأميركي كعنصر مساعد أو مكمل أو مشجع في خطوطها العريضة بالطبع، واشنطن تتحمس بالتعاون مع أوروبا في العمل على عقد اجتماع للرباعية في مطلع الشهر المقبل.

وبعض العرب يقدمون الأفكار لتشجيع أصحاب القرار الدولي بإحياء العملية الدبلوماسية من خلال إعادة ترتيب بعض عناصر خريطة الطريق، وباعتبار أنهم غير قادرين وحدهم ورغم رغبتهم الشديدة بفرض هذه المسألة على أجندة المنطقة التي مازالت أولوياتها تحدد خارج المنطقة.

يجري ذلك فيما يتم التسريب المتعمد في توقيته حول مشروع ورقة التفاهم السورية الإسرائيلية التي وضعت على الرف ربما مؤقتاً وقد تكون «وديعة» للمستقبل حينما تسمح بذلك معطيات شديدة التعقيد تقع خارج الإطار المباشر للصراع. والفلسطينيون ما زالوا مختلفين بين مفهومي «احترام» و«التزام» القرارات العربية والدولية. خلاف يعكس اختلافاً أساسياً بين رؤيتين واستراتيجيتين للصراع ويبقى المطلوب حسم هذا الاختلاف لمنع الانفجار الفلسطيني أولاً ولكن أيضاً كشرط للانخراط الفاعل وذات المصداقية في العملية الدبلوماسية الموعودة.

خمس ملاحظات أساسية يجب التأكيد عليها في هذه اللحظة الشرق أوسطية الشديدة الخطورة. أولاً، أن مشروع السلام العربي يقدم تصوراً جريئاً وثوروياً مقارنة مع ما سبقه في التعامل مع دبلوماسية الصراع والتسوية فهو إلى جانب توفيره لاتفاقيات سلام ثنائية وإنهاء حالة الحرب.

والأمن المتوازن وتسوية قضية اللاجئين يقدم تصوراً لتغيير أساسي على المستوى الإقليمي يتخطى الأطر الثنائية للتسويات القانونية التعاقدية والدبلوماسية، كما انه يفتح الباب لعملية تطبيع للعلاقات على المستوى المجتمعي ولكنها قائمة على التدرج عبر الزمان وعلى شرط تحقيق إنهاء الاحتلال كلياً. وهي بذلك توفر مقاربة واقعية بعكس الطروحات الأميركية والغربية التي كانت تود وضع عربة التطبيع أمام حصان التسوية الشرعية.

ثانياً، ان دبلوماسية الصراع العربي الإسرائيلي قد وجدت ذاتها أسيرة كلياً منذ بداية مطلع الألفية الثالثة لاستراتيجيات ومشاريع هندسات إيديولوجية كبرى فرضت أجندتها على المنطقة بحيث لم تعد هذه المسألة مركزية وذات «استقلالية» في مصادرها الصراعية ولذلك شاهدنا اللجوء إلى منطق الديمقراطية أولاً والإصلاح أولاً وبغداد أولاً كأن تتم تسوية الملف العراقي كمدخل لتسوية شبه تلقائية أو لتسهيل شديد لتسوية هذا الملف مما أحدث نوعاً من التشويه في فهم طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي. تشويه يعبر عن جهل كبير بهذا الصراع أو عن حالة عدائية قصوى للعرب، ويصب في سياسات خاطئة تساهم في إشعال النار.

ثالثاً، صحيح ان «قلب» الصراع والتوتر في الشرق الأوسط قد انتقل مرة أخرى من المتوسط إلى الخليج ومن فلسطين إلى العراق ومعها إيران، كما حصل في مطلع الثمانينات مع الحرب العراقية الإيرانية، ولكن ذلك لا يعني انه يمكن تجاهل مسألة شديدة التعقيد والاشتعال لمصلحة مسألة أخرى لا تقل عنها تعقيداً واشتعالاً، فهنالك ترابط وتداخل مباشر أحياناً وغير مباشر دائماً في رفع منسوب التوتر وفي صياغة الاصطفافات الإقليمية والمحلية وفي قوة هذه الاصطفافات عبر هذا الترابط. وبالتالي فلا يمكن تجاهل الصراع العربي الإسرائيلي أو تأجيله من خلال «تبريده» عبر دبلوماسية إدارة النزاع فهذه لها حدودها.

رابعاً، ان المطلوب دور أساسي وفاعل لما يعرف بالطرف الثالث في إطلاق وتسهيل ومواكبة عملية التسوية وفي توفير الضمانات لإنجاحها وتثبيت نتائجها وفي هذا السياق فان المؤتمر الدولي له دور يتخطى دور منصة الانطلاق الذي قد يكون نحو المجهول. انه دور الإطار المستمر والذي يعبر عن التزام دائم وحازم وعلى أعلى المستويات من قبل أطرافه لطمأنة وتشجيع الأطراف المتنازعة على ولوج التسوية.

خامساً، ان المطلوب تعريف واضح ودقيق للأهداف النهائية للتسوية وتوفير الضمانات لتحقيق هذه الأهداف وعدم الاكتفاء كما هو حاصل بالإعلانات والمبادئ العامة والمبهمة، فالتعريف الدقيق والذي يجري الالتزام به كنهاية الطريق في أهداف التفاوض يسمح لكل طرف بتقديم تنازلات أو يسهل له القيام بذلك نحو تحقيق هذه الأهداف بحيث انه يجب بلورة أهداف التسوية النهائية والتوجه نحوها منذ البداية وبشكل متزامن ومواز لإجراءات بناء الثقة. فهذه الأخيرة أيضاً يسهل توفيرها طالما اتضحت كلياً أهداف نهاية الطريق.

الشرق الأوسط اليوم أمام خيارين: خيار التحريك والدوران في حلقة مفرغة تحت عنوان إحياء خريطة الطريق وخيار التحرك والتقدم تحت عنوان تحديد نهاية الطريق. لعل عودة الوعي ولو انها محدودة وخجولة حالياً تدفع باتجاه تحقيق الهدف الأخير.

كاتب لبناني