مع نهاية العرض كان البعض يغالب مشاعره والبعض يستسلم لها. وكان الجميع غارقين في مقارنة بين ماض ليس بعيداً كانت الكرامة هي عنوانه الرئيسي، وبين حاضر يشعر الكل فيه بمدى العجز والهوان العربيين. الفيلم كان وثائقيا عن الزعيم الراحل جمال عبدالناصر.

ومخرجه اللبناني (سايد كعدو) اعتمد في إنجازه على عملية مونتاج دقيقة لخطابات عبدالناصر في مناسبات هامة. لم يكن هناك ممثلون، ولا تعليقات، ولا حوارات، فقط عبدالناصر والجماهير التي أحبها وأحبته، وخلال ما يقرب من الساعة يقدم الفيلم بانوراما للأحداث الكبيرة من قيام الثورة إلى تأميم القناة، إلى حرب السويس إلى الوحدة المصرية السورية، إلى هزيمة 67، إلى حرب الاستنزاف، إلى الرحيل المفاجئ والوداع الأسطوري.

الفيلم يحمل عنوان «ارفع رأسك يا أخي» هذه الجملة التي ارتبطت بمسيرة الرجل طوال حياته، والتي تجسد معنى «الكرامة» بمعناها الوطني والقومي وبالثورة التي اشتعلت في العالم العربي كله ضد الاستعمار حتى تحقق الاستقلال، ثم بمعناها الاجتماعي من خلال عدالة اجتماعية تعوض الملايين عن سنوات الحرمان وتجعل الجميع شركاء حقيقيين في أوطانهم.

في القاعة التي عرض فيها الفيلم بنقابة الصحافيين بالقاهرة (بعد إنتاجه بأكثر ثلاث سنوات) كان الحضور الكثير يشمل كل الأعمار.. الذين عاصروه، والذين ولدوا بعد رحيله، وشباب في الجامعات. وكان الحضور من مختلف التيارات، بل ومن تيارات اصطدمت بعبدالناصر وكان صدامها عنيفاً. كان الكل يبحث عن لحظة استعادت فيها الأمة إرادتها وأمسكت مصيرها بيدها ورفعت رأسها بكرامة.

تذكرت ما رواه لي الصديق الراحل حسن دوح، وكان من الوجوه البارزة في الإخوان المسلمين، من أنه حين سمع عبد الناصر يلقي خطابه الشهير في الأمم المتحدة انتابته مشاعر من الزهو. وكان قد خرج من السجن بعد الصدام الكبير في الخمسينات، وكان بالطبع معادياً لعبدالناصر وسياساته ولكنه - كما روى لي - عندما سمع خطابه في الأمم المتحدة، قارن بينه وبين خطابات سابقة ألقيت باسم مصر تتسول الاستقلال فلا تحصل على شيء، وقرر أن يرسل برقية تحية وتأييد على هذا الخطاب الذي عبر عن أمة لها كرامة، والذي قررت الأمم المتحدة بعده جعل اللغة العربية بين لغاتها الرسمية.. هل نسأل عن حال لغتنا الآن؟ أم الأجدى أن نسأل عن حال الأمة نفسها ؟!

ليست القضية هنا قضية رجل أدى واجبه ومضى إلى جوار ربه، ولكنها قضية مرحلة يراد للأمة ألا تذكرها حتى لا تستعيد ذاكرة الانتصار، وقضية اتجاه يراد لنا أن نستخرج شهادة وفاته لأن أعداء الأمة يدركون أن عروبتها هي العائق أمام تنفيذ مخططاتهم.

القضية أن ما يريده أعداء الأمة هو ألا يبقى في ذاكرتها إلا أنها أمة عاجزة مقسمة لا تستطيع الإنجاز، وأن عليها أن ترضى بما يفرض عليها من الخارج.

وهذا هو ما رفضته الأمة في مرحلة سابقة بقيادة جمال عبدالناصر. فالأمة يومها لم تكتف بطرد الاستعمار واستعادة الثروات المنهوبة (قناة السويس والبترول العربي) ولكنها رفضت كل المحاولات لفرض الوصاية الأجنبية والأحلاف العسكرية التي كانت تستهدف تكريس السيطرة الأميركية واستخدام القوى الإقليمية الأخرى لقطع الطريق على أي خطوات تتم في الإطار العربي.

كان هذا هو جوهر المعركة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ومازال هو جوهر المعركة حتى الآن. ومن هنا لا يراد للأمة أن تتذكر هذه الفترة المضيئة في تاريخها التي استطاعت فيها أن تتحرر من الاستعمار من المحيط إلى الخليج، وأن ترفض كافة محاولات فرض الاستعمار الجديد، وأن تستعيد ثرواتها، وأن تبدأ في تعويض سنوات القهر والاستغلال، وأن تحاول اللحاق بالعصر. وبعضها بدأ في هذا السبيل من نقطة الصفر وحققت بجهود أبنائها ما يشبه المعجزات.

كل هذه الصفحات المضيئة في تاريخ الأمة يراد لنا أن نتناساها، وأن نلخص هذه المرحلة في هزيمة 67 التي استطاعت الأمة أن تصمد أمامها، وأن تثأر منها في حرب 73 . ورغم انهم أرادوا أن تكون الصورة الأخيرة لعبدالناصر هي صورة الرجل المهزوم، فإن الأمة رفضت ذلك..

رفضته حين خرجت ترفض استقالته بعد هزيمة يونيو وتصر على بقائه حتى الثأر، ورفضته حين خاضت معه معركة إعادة بناء القوات المسلحة المصرية من الصفر، ورفضته حين خرجت الخرطوم لاستقباله - بعد الهزيمة ـ هذا الاستقبال الأسطوري الذي جعل الجميع يعيدون حساباتهم ويبنون التحالف العربي الذي كان وراء النصر في أكتوبر، لتبدأ بعد ذلك محاولات شرذمة الصف العربي مرة أخرى، والتي لا تقف اليوم عند شق الصف العربي، ولكنها تمتد لتقسيم الدول العربية إلى شظايا صغيرة ليكون مصير المنطقة في يد القوى الخارجية الدولية والإقليمية.

لقد تم استغلال أخطاء وخطايا أنظمة حكم كانت تؤكد أن منطلقاتها قومية لكي تضرب «العروبة» وينادي البعض بوفاتها خاصة بعد مأساة غزو الكويت. ويتم تناسي أن الموقف العربي هو الذي قاد عملية تحرير الكويت، صحيح أن الجهد العربي لم يستطع تطويق الأزمة ومنع الكارثة من البداية كما فعل عبد الناصر عام 1961 حين منع عبدالكريم قاسم من ارتكاب مثل هذه الخطيئة، لكن المحاولات لم تنقطع بعدها لتحميل القومية العربية مسؤولية هذا الغزو.

وأيضا مسؤولية ما وقع للعراق بعد ذلك. ويعلم الذين يروجون لهذه المقولات قبل غيرهم أن الموقف القومي الحقيقي جسده عبدالناصر حين استجاب لمطالب الشعب العربي في سوريا فقامت الوحدة المصرية السورية، وعندما وقع الانفصال رفض عبدالناصر بحسم استخدام القوة تاركاً أمر الانفصاليين للشعب السوري، مدركاً أن الوحدة الدستورية قد تسقط ولكن الروابط بين الشعب العربي في القطرين الشقيقين هي الباقية.

هذه هي عروبتنا الحقيقة.. لا تقوم على الغزو أو الاستعلاء ولا تتم بالقوة ولكنها تجسيد لإرادة الشعوب وإيمانها بالمصير المشترك، وقد كانت هناك فرصة رغم الصعاب الكثيرة ـ في الربع الثالث من القرن الماضي ـ ولكن ما جرى بعد حرب 73 وإبعاد مصر عن محيطها العربي، وتوهم البعض أنه يستطيع أن يرث دور مصر.

وتوهم البعض الآخر أن كامب ديفيد وما بعدها ستضع حداً لانتماء مصر العربي وستحقق ليس فقط إبعاد مصر ـ بكل ثقلها ـ عن الصراع المصيري مع إسرائيل، ولكنها ستحقق أيضا القطع المطلوب بين شمال إفريقيا، وبين الشام، ثم فصل الخليج العربي عن أمته (ومعه العراق بعد ذلك) لتتم السيطرة على البترول العربي.

ورغم النكسات التي قابلها هذا المخطط ، والعقبات التي واجهته وأهمها تمرد مصر على ما يراد لها، ورفضها للقطيعة مع أمتها العربية، ورفض شعبها لتطبيع العلاقات مع إسرائيل رغم كل الضغوط والإغراءات.. رغم كل ذلك فمازال المخطط مستهدفاَ، ومضافا إليه تمزيق الكيانات القائمة وفقاً للرؤية الأميركية الصهيونية في إعادة صياغة خريطة المنطقة.

في وجه كل هذه المخططات، ومع الواقع الأليم الذي تعيشه الشعوب العربية، يدرك الجميع انه لا مناص من العودة لجوهر الصراع في المنطقة، ولا حل إلا بالتمسك بالهوية العربية، ولا طريق إلا بالتضامن العربي والعمل المشترك الذي ينطلق من إرادة واعية بالمخاطر ومصممة على مواجهتها.

من هنا كان تصرف الجماهير العفوي أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان حين رفعت صور عبدالناصر في المظاهرات. كان ذلك إدراكاً بأن المعركة التي تخوضها منذ نصف قرن مازالت مستمرة، وأن أهدافنا وأهداف العدو مازالت قائمة.. نحن نريد الحرية والاستقلال والتقدم، وعدونا يناضل من أجل إبقائنا في دائرة التبعية والتخلف.

هل يعني هذا أننا نريد إعادة إنتاج مرحلة في تاريخ الأمة وزعيم قادها بكل إيجابياتها وسلبياتها؟ بالقطع «لا»®. فنحن ندرك أن جزءاً كبيراً من أزمة هذه الأمة يكمن في محاولة إعادتها إلى عصور سابقة، ونحن ندرك أن عبدالناصر كان المعبر عن نضال أمته في مرحلة معينة، ولقد جرت محاولات وراثته كوارث عديدة علي الأمة.

الحنين هو إلى زمن كانت فيه الأمة بخير، تقاتل وتبني، تنتصر وتنهزم، ولكنها تزداد تصميماً على تحقيق أهدافها، وتزداد إصراراً على استقلالها وحريتها، وتزداد إيمانا بوحدة مصيرها المشترك.. هذا الحنين ينبغي أن يتحول إلى عمل قومي جاد من أجل نظام عربي جديد يستطيع مواجهة التحديات وإسقاط المخططات الأجنبية واستعادة الإرادة المستقلة القادرة على الفعل.

هذا هو التحدي الذي تواجهه الحكومات العربية الآن.. أما الشعوب فقد حسمت أمرها وهي ترى أن البديل لعروبتها هو أن تختار بين القبول بالهيمنة الخارجية على مصيرها أو إغراقها بالحروب الأهلية واقتتال السنة والشيعة تمهيدا لتقسيم الأوطان المقسومة أصلاً !!

نقيب الصحافيين المصريين