الوعود الرقمية ذات الرنين الإعلامي شيء، والوفاء بالوعود شيء آخر.وإذا أردت أن تعرف مقدماً مآل الوعود الغربية التي بذلت في المؤتمر العالمي لإنقاذ الاقتصاد اللبناني، فانظر في السوابق الزمنية والمكانية.

المؤتمر الدولي الذي اختتم يوم الخميس الفائت عقد تحت مسمى «باريس 3» استكمالاً لمؤتمر «باريس 2» الذي عقد عام 2002 و«باريس 1» الذي عقد عام 2001، أو تيمناً بهما. وحصيلة هذين المؤتمرين السابقين هي أن ما دخل الخزينة اللبنانية بالفعل من مساعدات مالية غربية بالمقارنة مع الوعود هو بمثابة نقطة ماء منسوبة إلى بحر.

هكذا تمثل الحالة اللبنانية بعداً زمانياً للوعود الغربية. أما من ناحية البعد المكاني فانظر في حالة العراق وحالة أفغانستان، فأرقام المليارات الدولارية لمشاريع «إعادة الإعمار» في كلا الحالتين تبقى مجرد أرقام. بينما تنشغل القوات الغازية الاحتلالية في توسيع دائرة التدمير في البلدين إلى درجة أن الأفغانيين باتوا يحنون إلى أيام حكم «طالبان» بينما لا يكف العراقيون عن ذكر عهد صدام بخير.

مثل هذا هو الذي يدفع صحيفة لبنانية إلى التساؤل عما إذا كان الغرض من مؤتمر «باريس 3» هو إنقاذ الاقتصاد الوطني اللبناني أم إنقاذ حكومة السنيورة سياسياً.

لدى ختام المؤتمر تعهد الغرب بمبالغ تتجاوز ثلاثة مليارات دولار بينها 770 مليون دولار من الولايات المتحدة و500 مليون يورو من فرنسا و400 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي. لكن قبل أن ننتظر لثلاث أو أربع سنوات مقبلة لنرى كيف تتبخر هذه التعهدات الرنانة بوسعنا أن ندقق في شيطان التفاصيل الماثل بين أيدينا.

أولاً «المساعدات» مرتهنة إلى شروط ـ أطلق عليها اسم «إصلاحات» ـ في مقدمتها أن تلتزم الحكومة اللبنانية بخفض الإنفاق الحكومي وأن تزيد الضرائب، ثم إن على الحكومة أن تتبنى برنامج خصخصة تعرض بموجبه شركات حكومية إستراتيجية للبيع.

وبرنامج الخصخصة بدوره مرتبط بأزمة الديون الخارجية التي يرزح تحتها الاقتصاد اللبناني، وهنا تنكشف اللعبة تماماً. فالمبالغ التي جرى التعهد بها لن تدخل الحزينة اللبنانية وإنما هي لتمكين لبنان من مواصلة سداد الأقساط السنوية للدائنين: وهم مصارف ومؤسسات مالية غربية.

حجم المديونية الخارجية اللبنانية يبلغ نحو 41 مليار دولار، والحكمة الغربية من وراء حمل الحكومة اللبنانية على خصخصة مؤسسات حكومية هي أن تباع المؤسسات المخصخصة إلى بعض الدائنين في سياق عملية سداد الديون.

وبعد.. هل هي فعلاً مساعدات مالية؟

إن المبالغ التي تعهدت بها الدول الغربية ليست هبات أو تبرعات إنسانية خيرية كما يوحي رنينها الإعلامي. إنها في الحقيقة قروض بفوائد واجبة السداد. ومعنى ذلك أن عبء المديونية على لبنان سيزداد عوضاً عن أن ينخفض.

إنها بإيجاز لعبة مالية سوف تزيد لبنان على المدى البعيد إفلاساً على إفلاس. وعلى هذا النحو فهي لعبة تنطلق من دوافع سياسية لتحقيق أهداف سياسية. لقد قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك إن الهدف من مؤتمر «باريس 3» هو إنقاذ حكومة السنيورة سياسياً، ومعنى هذا القول هو أن الغرض من المؤتمر هو إطلاق فرقعة دعائية ذات رنين اقتصادي توحي للشارع اللبناني الملتهب بأن لبنان أصبح على أبواب رخاء اقتصادي شامل على يد حكومة السنيورة اعتماداً على دعم غربي.