نجاح الجهود العربية في دفع الفصيلين الفلسطينيين الرئيسيين إلى العودة إلى طريق الحوار بدلا من المواجهة، والوفاق بدلا من الشقاق، والوحدة الوطنية بدلا من الفتنة الأهلية، أعطى دفعة من الأمل في فعالية الدور العربي في دفع الأزمات الوطنية على طريق الحل، أو على الأقل في منع تحول التناقضات السياسية التي يمكن حلها بالحوار إلى تناقضات فصائلية تستعصي على الحل فتنزلق إلى المواجهة الوطنية.

والاختراق الإيجابي الفلسطيني للجدار العازل، بفضل التحرك السياسى العربى لفتح الطريق المسدود أمام عودة الحوار، ولسد الطريق في وجه دعوة المواجهة ، والذي تمثل في نجاح «لقاء دمشق» بين زعيمي الفصيلين الوطنيين «فتح» و «حماس» كثمرة للجهود السياسية السورية والليبية مع ما سبقتها من جهود سياسية وأمنية مصرية في «القاهرة»، بما نتج عنه من نتائج إيجابية يحقق مطلبين أساسيين، الأول هو سحب فتيل الانفجار الأهلي والثاني هو العودة إلى الحوار الوطني.

على أن ما تحقق في دمشق وإن بدا لبعض المراقبين أنه لم يحسم كل النقاط العالقة، ولم يتوصل إلى الاتفاق على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي كانت على قائمة التوقعات، إلا أن نتائج هذا اللقاء في نظر معظم المراقبين حققت ما هو أكثر من تلك التوقعات عبر أمرين مهمين. .

الأول هو جعل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية هي مهمة كل الفصائل الوطنية الفلسطينية من خلا ل الحوار الوطني الواسع والذي بدأ بالفعل بعد يومين في «غزة» من خلال لجنة المتابعة الوطنية والإسلامية وليست مهمة الفصيلين الرئيسيين فقط من خلال الحوار الثنائي الضيق، بما يضيف إليه ضمانة وطنية فلسطينية إلى جانب الضمانة العربية في التوافق حول هذه الحكومة.

والثاني أن هذا اللقاء بين الفصيلين أكد عمليا في «دمشق» ما سبق الاتفاق عليه بين الفصائل في «القاهرة» من إعادة بناء وتشكيل وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية بدخول ثلاثة فصائل وطنية فاعلة هي «حماس» والجهاد» و«المبادرة» حتى تكون بحق ممثلة شرعية لجميع الفصائل الوطنية الفلسطينية، بل ووضع جدولا زمنيا متفقا عليه لإنجاز كلا الهدفين هدف الحكومة خلال أسبوعين وهدف المنظمة خلال شهر.

إن هذا اللقاء بين الزعيمين الفلسطينيين محمود عباس رئيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني( فتح )، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، رئيس السلطة الوطنية المنتخب، وخالد مشعل الرئيس السياسي لحركة المقاومة الوطنية الإسلامية( حماس )، الحائزة على ثقة الشعب الفلسطيني في انتخابات ديمقراطية لتشكيل الحكومة بما يمثلانه من شرعية شعبية، نجح في تجاوز المبررات الداخلية لاستمرار الأزمة السياسية في مواجهة المقررات الخارجية لإشعال الفتنة الوطنية.

فالمشهد الفلسطيني الذي كان ينذر بالتفجر والذي سبق المشهد السياسي الحالي الذي يبشر بتجاوز الخطر ويبعث ببعض المؤشرات المطمئنة يمكن قراءته من زاويتين.

الأولى ما هو «مقرر» من خارج فلسطين وبالتحديد من الطرف الصهيوني الأميركي الذي لا يريد وحدة وطنية فلسطينية ويريدها حربا أهلية بين الفصائل الوطنية الرئيسية «فتح وحماس» تضيع القضية الفلسطينية وتمكن المحتل الإسرائيلي في ظل الشرق أوسطية من فرض شروطه الاستعمارية كقوة إقليمية وحيدة، بترويض المقاومة الوطنية للقبول بما يسميه سلاما بدون الحل العادل لمسائل الحدود والعودة والقدس.

والثانية ما هو «مبرر» من اختلاف الرؤى في الداخل الفلسطيني بين الفصائل الوطنية عبر مراحل النضال الطويلة على مدى تجاوز النصف قرن بما في ذلك المشكلة الناتجة عن التباين في الرؤى السياسية وعلاقات مؤسسات السلطة الوطنية الرئاسية والحكومية والتشريعية وفى ترجمة كل واحدة من هذه المؤسسات لثقافة النضال السياسي و الحوار الوطني في ظل تفويضين شرعيين شعبيين لرئاستين، للسلطة و للحكومة باجتهادين سياسيين مختلفين في الغاية والوسيلة معا.

إن التباين في الاجتهادات السياسية الوطنية الوطنية في أي وطن عربي ليس هو الخطر، إنما ينبع الخطر من عدم قدرة الأطراف بفعل التعصب لصوابية اجتهاداتها، وبتأثير الجمود الفكري على المرونة السياسية بما يمنع انسداد قنوات الحوار أمام جدار فصائلي عازل، وبما لا يسمح لكل منها من الرؤية الأوسع لضرورات ومتغيرات الظروف الذاتية والموضوعية المحيطة بنضالها المشروع، ويمنع توافقها حول ما يحقق هدف التحرير الوطني.

كما ينبع الخطر في نفس الوقت من غياب أو ضعف فاعلية الدور العربي، كرافعة للأزمات الوطنية، بفعل السلبية أو بدواعى الحساسية، أو لانحيازه السياسي المسبق مع فصيل ضد آخر بغض النظر إن كان الفصيل الذي يقف معه في السلطة أم في المعارضة، وسواء كان هذا الفصيل يمتلك الشعبية والشرعية أم لا، بما يحدث فراغا عربيا يسمح للتدخلات الأجنبية بالتمدد.

وهذا الفراغ نفسه سواء بغياب المبادرات الوطنية أو القومية، هو الذي يسمح لبعض القوى السياسية بدافع المصالح السلطوية الضيقة، أو بقصر النظر السياسي إلى التورط في التماهي مع الأجندات اللا وطنية واللا قومية سواء الدولية أو الإقليمية، و الانزلاق إلى التوافق مع المخططات الأميركية أو الصهيونية سواء بالقصد أو اللا قصد، اضطرارا بسوء الحساب أو اختياراَ مع سوء النية.

من هنا انطلقت مع مؤشرات تجاوز الخط الأحمر الفلسطيني أصوات عربية وإسلامية مخلصة ومن فصائل وطنية واعية تؤكد على «تحريم» الدم الفلسطيني بالسلاح الفلسطيني و«تجريم» الاقتتال الأهلي بين إخوة الكفاح «فتح» و «حماس» أكبر الفصائل الوطنية واعتبار أن توجيه السلاح إلى صدر أي فلسطيني من أي فلسطيني هو جريمة محرمة ضد كل فلسطيني

وتجمع كلها على ضرورة استمرار الحوار الوطني للوصول إلى برنامج تحرير وطني مقاوم على أرضية الثوابت الوطنية المشتركة لتحقيق الوحدة الوطنية، وعلى خلفية القواسم السياسية المشتركة بين الحركتين الوطنيتين لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية ببرنامج سياسي لا يلبي الشروط الصهيونية الأميركية، ويتوافق مع الشرعية العربية والأممية.

إن عقد ذلك اللقاء الفلسطيني في « دمشق» بالذات على عكس الإرادة الأميركية والصهيونية في هذا الوقت الذي تحاول فيه دون جدوى عزل الفصيلين عن بعضهما، وعزل سوريا العربية عن القضايا العربية، وفى هذا الظرف الذي تحاول فيه لاهثة الترويج لمخططات إقليمية للتغطية على المخططات الدولية.

وتسويق اتهامات بتبعية هذا الفصيل أو ذاك لعواصم عربية وإسلامية في مقدمتها دمشق، استلزم حكمة سياسية ومسؤولية وطنية من الرئيس الفلسطيني «محمود عباس» كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية الأعلى من مسؤوليته الفتحاوية الفصائلية لاحتواء المواقف واختراق الجدار الوهمى العازل بين ما هو فلسطيني وما هو عربي.

وتبقى هذه الحكمة من رئيس فتح وهذه الإيجابية من رئيس حماس وهذه المبادرة من بقية الفصائل الوطنية مطلوبة لحل مسألة الانتخابات الرئاسية والتشريعية المبكرة المثيرة للخلاف بالتوصل إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية على برنامج وثيقة الوفاق الوطني التي سبق أن اتفق عليها رئيس السلطة الوطنية«عباس» ورئيس الحكومة الفلسطينية «هنية» والتي وافقت عليها جل القوى الفلسطينية.

أو باللجوء إلى الاستفتاء حول نقاط الخلاف بدلا من الانتخابات المبكرة، أو بمواصلة الحوار إلى أي مدى والبناء على ما تم التوصل إليه من نقاط الاتفاق بين «عباس» و«هنية» وما تم تضييقه من نقاط للخلاف بالجهود الوطنية والقومية بمرونة سياسية واعية تستند على الثوابت وتتعامل مع المتغيرات.. وتواجه بوحدة كل المخططات.. وتسجيب بحكمة لكل التحديات.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com