هل يُعقل أن ينحر اللبنانيون أنفسهم بأيديهم؟ هل يحقق اللبنانيون بأيديهم ما عجزت الترسانة العسكرية الإسرائيلية عن تحقيقه في حرب تموز المدمرة بالوصول إلى ضرب الوحدة الوطنية وزرع بذور الفتنة بين اللبنانيين؟ هل يسير اللبنانيون بأقدامهم إلى مهاوي الحروب الداخلية العبثية والوقوع في أتون "الفوضى الخلاقة" التي بشرنا بها منظرو اليمين المتطرف في واشنطن؟ ومن يستطيع تحمّل المسؤولية الوطنية والتاريخية في تفكيك الكيان اللبناني وتحويله إلى شراذم وقبائل متحاربة على حدود الدولة الصهيونية التي أسقط الوطن الصغير اسطورة جيشها الذي لا يُقهر؟
لا سحابات الدخان الاسود··، ولا اشتباكات الدم الاحمر الذي صبغ شوارع بيروت امس، استطاعت أن تشفي غليل اللبنانيين، كل اللبنانيين في بيروت وعلى امتداد الوطن، عن أسباب ومبررات هذا الانتحار الجماعي الذي يسعى البعض إلى سوق الشعب اللبناني إليه·
ما جرى أمس في الطريق الجديدة، وزقاق البلاط وحي اللجا ومار الياس، لا علاقة له بالسياسة، ولا يمتّ بصلة إلى الممارسات الديمقراطية السليمة· وما كان جرى يوم الثلاثاء الأسود، من تجاوزات وتصرفات على الأرض لا تبرره أية خلافات سياسية ديمقراطية واعية وعاقلة·
وما يسمعه اللبنانيون هذه الأيام من تهديدات وتهويلات من بعض أدعياء السياسة الذين يحسبون أنفسهم على المعارضة، لا يطمئن إلى أن اللعبة السياسية في البلاد تسير في مجرياتها الدستورية الطبيعية، لتحقيق التعايش المنشود بين الأكثرية والمعارضة البرلمانية·
لا يكفي أن نردّد بأن الفتن الطائفية والمذهبية التي تفرّق بين أبناء البيت الواحد والطائفة الواحدة والوطن الواحد، لن يخرج منها أحد منتصراً، بل إن نيرانها ستأكل الأخضر واليابس، وتقضي على طموحات ومقوّمات البقاء والصمود للوطن وشعبه المسكين الذي سيدفع وحده، وكالعادة في المحن السابقة، الثمن باهظاً من أمنه واستقراره·
لم يعد يكفي أن تستنكر القيادات السياسية والحزبية والدينية ما يجري على الأرض من ممارسات وتجاوزات لكل الخطوط الحمر، في وقت أصبح المطلوب من أهل الحل والربط وقف حملات التعبئة والتهييج الفئوي والمذهبي والمناطقي التي أطلقت العنان لغرائز الحقد والشغب تعيث خراباً وتفرقة، وتزرع الغضب والبغضاء بين أبناء الحارة والوطن والحي الواحد·
وأخشى ما يخشاه اللبنانيون الطيبون أن يفلت زمام الأمور من أيدي أهل الحكمة والعقل في القيادات السياسية والحزبية، وتصبح حركات الفوضى والشغب في الشوارع والأحياء والمناطق، هي التي تتلاعب بمصير البلاد والعباد وفق أهواء ونزوات وارتباطات تحوم حولها الكثير من الشبهات!
هل يعني مثل هذا الكلام أن البلد انزلق إلى هاوية الصراع والاقتتال في الشارع من جديد؟
المشكلة أن الشباب المندفع إلى الشوارع تحت تأثير حملات الشحن والتعبئة لم يعايش بدايات حرب 1975، والتي فرّخت حروباً محلية وإقليمية ودولية على امتداد عقد ونصف من الزمن! فتلك البدايات التي كانت مشحونة بالتوتر الطائفي والتعبئة الفئوية، تشبه إلى حدٍ بعيد ما نعيشه اليوم من أجواء متوترة بالشحن المذهبي والمناطقي، وتتشابه أيضاً إلى حدٍ كبير بمثل هذه الصدامات بين الشباب في الجامعات والمعاهد، وصولاً إلى حالة الشلل التي فُرضت على الجيش اللبناني، والتي تحاول بعض القوى اليوم إيقاع المؤسسة الوطنية في شباكها من جديد·
الواقع أن حالة التصعيد والتوتر التي تهيمن على الشارع لم تعد تترك مجالاً واسعاً لتردد القيادات السياسية ولعنادها في ولوج ورشة المعالجة السياسية الواعية والحكيمة، وبالسرعة اللازمة حتى تتمكن من سحب فتيل انفجار فتنة داخلية لن يخرج منها أحد منتصراً·
لقد أثبتت أحداث الشهرين الماضيين وتطوراتهما الدراماتيكية أن معالجة الأزمات، ومناقشة الخلافات سواء كانت سياسية أم دستورية أم ذات إشكالات وطنية لا يمكن أن تتم في الشارع، ولا يمكن أن تحسم من خلال نشر الفوضى والشغب في الشوارع·
وكما بادرت قوى الأكثرية والمعارضة إلى سحب مناصريها من الشوارع اليوم، والاعتراف بإمرة الجيش الوطني، الذي تِجمع كل الأطراف على الإشادة بمناقبته وتجديد الثقة بقيادته، فإن المطلوب من هذه القوى وخاصة القيادات المعارضة، لا سيما حزب الله بالذات، سحب الأزمة من الشارع، والعودة بها إلى طاولة الحوار، وإلى المؤسسات الدستورية التي لا مصلحة لأحد بتعطيل عملها، أو حتى تجاوز مهماتها الدستورية والوطنية·
لقد أصبح واضحاً، وبالدليل الملموس، أن الاستمرار في الشارع يعني إبقاء ليس الأزمة وحدها، بل البلاد والعباد، أسيرة النزوات الداخلية، والتدخلات الخارجية، الأمر الذي يعيد لبنان ثلاثين سنة إلى الوراء، عشية اندلاع حروب السبعينات والثمانينات التي ما زال الوطن يرزح تحت آثارها، وما زال الشعب الطيب يدفع ثمن أوزارها تدميراً وتخريباً وتهجيراً وتقتيلاً!
وماذا ينفع المعارضة وأطرافها الفاعلة على الأرض إذا جرّت البلاد والعباد، لا سيما جمهورها بالذات، إلى حرب جديدة بين الطوائف والمذاهب، عجزت إسرائيل بوحشية عدوانها التموزي عن تفجيرها بين اللبنانيين، حرب تقضي على البقية الباقية من مقوّمات هذا الوطن الجريح؟
قد تكون بعض أطراف المعارضة، المعروفة بتطرف مواقفها وبعبثية تصرفاتها، قد نجحت في اصطناع حالة إرباك وتشويش على مؤتمر باريس الذي جمع نصف العالم للبحث في توفير الدعم والمساعدة للوطن الصغير·
ولكن دخان مثل هذه التصرفات الصبيانية والمغرضة، لن يحجب إرادة الأكثرية الساحقة من اللبنانيين الراغبين في العيش معاً، في حارة واحدة وحي واحد ومنطقة واحدة ووطن واحد تغلب فيه إرادة الحياة وطموح المستقبل كل ما يعترضها من محاولات الشرذمة والتخريب·
الفتنة تدك الأبواب···
فهل يتحرك أهل الحكمة والعقل قبل فوات الأوان؟
صلاح سلام