في عالم لا يعرف حتى ما يدور فيه وما يحاك ضدّه يكون طبيعيا ان تبارك أطرافه استراتيجية جورج بوش. حتى ان كانت لا تعلم عن بنودها الا جزءها الظاهر، ذلك الذي يُجمّل بالأهداف النبيلة وبالغايات السامية، كما هو شأن أي مسألة توضع للترويج، وقد اختارت أطراف هذا العالم العربي، أن تفهم استراتيجية جورج بوش على أنّها حدّ يفصل بين المعتدلين والمتشددين العرب وبأنها بقدر ما ستدعم الاعتدال ستقف بالمقابل حصنا منيعا أمام التشدد!
وليتها كانت كذلك فالشدّد في عرف السيد بوش وجماعة المحافظين الجدد، لا يشمل ما أُصطلح على تسميته بالارهاب، بل هو يعني بدرجة أولى كل الأطراف العربية التي مازالت ملتزمة في حل الصراع العربي ـ الاسرئيلي وهو سبب كل هذه الآفات، بالقرارات الدولية وعنوانها الرئيسي حدود 1967، فكلّ من تسوّل له مواقفه التشبّث بالحلّ انطلاقا من هذه العناوين، هو مصنّف كمتشدّد وكل من ينطلق في نظرته لحل الصراع انطلاقا من القرارين 242 و338 هو عدوّ للسلام، وكل عدوّ للسلام هو بالضرورة عدوّ للولايات المتحدة الامريكية، أو هكذا يقول منطق ادارة البيت الابيض!
هناك، إذن فجوة كبيرة بين ما يفكر فيه سيد البيت الابيض، وبين ما يمكن أن يتحمله العالم العربي، وهناك أخدود بين ما يطرحه السيد بوش وبين قدرة «الاعتدال» العربي على مزيد من التنازلات، وعدا عن الكلام المجامل والمبارك والخائف، لا توجد الا عن أي امكانية لأية صفقة بين المطروح أمريكيا والمقدور عليه عربيا، وهذا واحد من أسباب الفشل المنتظر لاستراتيجية بوش في العراق وفي لبنان وفي فلسطين، أي فشل استراتيجية بوش العربية التي تتبدّل وتتغير في كل مرحلة، فلا تستقر على حال ولا تصل الى هدف.
وعموما، فإنه للاعتدال العربي في تاريخه محطات خيبة كبيرة مع الادارات الامريكية ليس فقط في مستوى خيبات ثقيلة وأدت أحلام المعتدلين، بل كذلك في مستوى ما دفعه هؤلاء من ثمن وصل الى حدّ دفع حياتهم قربانا لوهم وخيال، من عصام السّرطاوي الى محمد أنور السادات مرورا بآخر القائمة ياسر عرفات، ولا شك أن قائمة المرشحين للموت مازالت مفتوحة خاصة مع رواج كل هذه الفوضى وكل هذا العنف في المنطقة العربية، بفضل تطرّف قادة البيت الابيض الجدد الذي كان خير سند لتطرف قادة اسرائيل، وخير سند لتعنّتهم في فرض حالة وليس حلّ على الفلسطينيين وعلى من يجاورهم من شعوب عربية.
ان العالم العربي هو الذي يحتاج الى اعتدال أمريكي وليس العكس، وعندما تُشفى أمريكا من الأساطين ومن الأساطير الذين يحكمونها، يكون وقتها لكل حادث حديث!
عبد الرؤوف المقدمي