برغم مشكلاتها والصعوبات التي نعرفها جميعا فإن مصر تبقي واحدة من أكثر الدول أمانا واستقرارا وهدوءا في محيطها الإقليمي المضطرب المملوء بالصخب والعنف والهياج. ولا يعود هذا الهدوء والاستقرار إلي سبب واحد فقط, بل إلي مجموعة من الأسباب, علي رأسها التكوين النفسي لشخصية الإنسان المصري ذاته من حيث كونه محبا للحياة ومدركا لأهميتها وقيمتها. وقد كان الإنسان المصري هكذا منذ آلاف السنين. وليس خافيا علي أحد أن بناء الحضارات كان ولايزال صنعة المصريين ومهنتهم الأولي.
أيضا يرجع الهدوء والاستقرار إلي عقلانية القيادة السياسية وحكمتها في اتخاذ القرارات, بحيث تأتي القرارات بعيدة عن التشنج والانفعال والعنترية الفارغة, ومن ثم تحقق صالح الوطن والمواطنين في نهاية الأمر. ومن هنا فإن القول بأن مصر هي واحة للأمان, وبالتالي تصلح لجذب الاستثمارات, هو قول لا مبالغة فيه ولا مجاملة. وهذا ماأكده أمس رئيس مجلس الوزراء الدكتور أحمد نظيف في المؤتمر الصحفي العالمي علي هامش أنشطة منتدي دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا. ولعل إشارة الدكتور نظيف إلي أنه لا مساس بالطبقات الفقيرة, ولا بالدعم المقدم لها, تسير في نفس اتجاه الأمن والأمان. إن الحفاظ علي الغطاء الاجتماعي ووصول الدعم إلي مستحقيه يصب في النهاية في هدف الحرص علي استمرار مصر بلدا مستقرا آمنا هادئا.
أيضا كان تأكيد الدكتور نظيف أن زيادة الأسعار وارتفاع معدل التضخم لا يمثلان مصدرا للقلق دلالة علي حرص الحكومة علي أن هذا الارتفاع لا يعتبر عبئا علي الطبقات البسيطة, نظرا لأنه يأتي في إطار ارتفاع مماثل في معدلات النمو الاقتصادي, التي بلغت العام الحالي7%.
إن القاعدة الذهبية لاجتذاب أي استثمارات هي ضرورة تمتع الدولة الراغبة في هذه الاستثمارات بالاستقرار والسلام والأمان, وهو مايعترف العالم كله بتوافره في مصر الآن. وفضلا عن ذلك فإن مصر تتمتع أيضا بأيد عاملة ماهرة ومعقولة التكلفة, وتتمتع بوجود بنية أساسية ملائمة لاستقبال تلك الاستثمارات. وتشير الإحصاءات إلي زيادة غير مسبوقة في تدفق الاستثمارات علي مصر خلال العامين الماضيين, سواء العربية أو الدولية.
وهنا تجدر الإشارة إلي أن انطلاق مصر في الإصلاح السياسي والتعديلات الدستورية بما يؤدي إلي مزيد من الديمقراطية والمشاركة السياسية كان أحد العوامل المشجعة علي تدفق الاستثمارات. إن هذه التعديلات تقول للجميع ببساطة: إن مصر جادة في التحول إلي دولة عصرية متقدمة يحترم مواطنوها القانون, ويراقبون أداء السلطة التنفيذية, ويتمتع برلمانهم وقضاؤهم بالاحترام اللازم لأداء الرسالة المطلوبة منهما. ثم إن البرلمان بدوره سيقوم بمهمة إصدار التشريعات والقوانين الكفيلة بتحقيق النقلة الحضارية المطلوبة. وهكذا فإن الاستقرار المنشود لا يتحقق بالأمنيات والأحلام, بل بالعمل الجاد المدروس والمخطط تخطيطا جيدا, وهو ما تحققه مصر الآن.