عندما انتقل الجنرال وليام تيكومسيه شيرمان إلى سافانا بولاية جورجيا الأميركية، بعد مسيرته الأسطورية في البحر في ديسمبر 1864، تعرض لهجوم شرس وعنيف للغاية من قبل صحافة الجنوب الأميركي التي وصفته بأنه قائد مارق مرتد لـ «قطيع من المخربين».

ولكن في الوقت ذاته، قامت مجموعة من كبار قادة التحالف بمناشدته كي يضمن سلامة أقاربهم الذين تركوهم وراءهم في سافانا. وتساءل شيرمان في قرارة نفسه: لماذا يثق فيه أعداؤه اللدودون ويتصورون أنه يمكن أن يكون لطيفا مع أقاربهم إلا إذا كانت حملات القذف التي قاموا بها ضده مجرد فرقعة إعلامية؟

هذا النوع من الإدعاءات وحملات الافتراء يحدث بشكل واضح في الشرق الأوسط، حيث يتبين أن قادة الدول والمنظمات التي تناصب الولايات المتحدة الأميركية العداء أو تقوم بتوجيه انتقادات إليها غالبا ما يثقون فينا بصرف النظر عما يدّعون خلاف ذلك.

فنبيه بري، رئيس البرلمان اللبناني ورئيس حركة أمل، لديه عدد كبير من أفراد أسرته يعيشون في مدينة ديربورن في ولاية ميتشيغن الأميركية، وعمرو سالم، الذي كان حتى وقت قريب وزيرا في الحكومة السورية، كان يشغل منصب مدير برامج في شركة مايكروسوفت الأميركية ولا تزال عائلته تعيش في الولايات المتحدة، وبلال مشرف، ابن الرئيس الباكستاني برويز مشرف، كان يعمل مستشارا في بوسطن ودرس نشاط الأعمال في جامعة ستانفورد الأميركية. وفي الوقت ذاته فإن حكومة والده إما هي غير مستعدة أو غير قادرة على الإمساك ببقايا تنظيم القاعدة الموجودين على الأراضي الباكستانية، والذين يوجد ضمنهم على الأرجح كل من أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.

ماذا عسانا أن نفهم من هذا التناقض في المواقف؟

أول ما نفهمه هو أن التعاطف مع المتشددين لا يعني أن ساسة الشرق الأوسط لا يقدرون الحرية والأمن والفرص التي تتمتع بها الولايات المتحدة. فعلى الرغم من كل هذا الحديث عن أخطاء أميركا، فإنه لا يوجد شرق أوسطي واحد يتملكه القلق من أن تقوم أميركا بالانتقام منه عن طريق خطف أسرته أو تفجير سيارتهم.

الأمر الثاني هو أن الهوة بين ما يقوله الكثيرون في الشرق الأوسط عن أميركا وما يفعلونه ينبغي أن يكون بمثابة تذكير بأن مشاعر العداء الأميركية لا يتم التفكير فيها بشكل جدي ومعظمها يصب في خانة الاستهلاك الإعلامي فقط لا غير. كثيرون ممن ينتقدون أميركا على صفحات الجرائد وأمام الكاميرات يفضلون سرا أن يرسلوا أحباءهم إلى أميركا من أجل الاستفادة من النجاحات التي تحققها أنظمة التعليم العلمانية والمساواة بين الجنسين والقيم الديمقراطية وسلطة القانون الموجودة هناك. الأمر الثالث هو أن عائلات قادة الدول الشمولية الذين يناصبون العداء لأميركا يعيشون في سلام وأمن هنا في أميركا بفضل احترامنا للضيوف والأجانب الذين يعيشون بيننا. فالأميركيون شعب متسامح لا يحمل أحقادا ولا مشاعر انتقام.

كما أن الأميركيين قد يشعرون أن مثل تلك العلاقات الشخصية مع الحكام المستبدين ستقود إما إلى التحرر في تلك البلاد أو على الأقل إلى تكوّن انطباع جيد عن الشعب الأميركي في الخارج. غير انه من المؤسف أن هذا الأمر لم يحدث بعد.

إن التعرض للثقافة الأميركية يوجد فعليا مشاعر من الغموض أو إحساسا بالذنب بين الأفراد المحافظين عند وصولهم للبلاد وذلك حينما يكتشفون شهيتهم الليبرالية هنا. في حالات أخرى، يتكون لدى البعض الشعور بأن هناك شخصا ما أو شيئا ما بالتأكيد قد منع الشرق الأوسط من التمتع بأمور هي من المسلمات للشعب الأميركي.

إن الولايات المتحدة على الأرجح لن تمنع، ولا ينبغي لها أن تمنع، عائلات قادة لبنان والحكام المستبدين في باكستان أو كبار المسؤولين السوريين من دخول البلاد. ولكننا على الأقل ينبغي لنا أن نوضح لهم، كما أوضح شيرمان لمنتقديه، أنه بالتأكيد هناك سبب دفع مشرف وبري وسالم وغيرهم إلى إرسال عائلاتهم إلى الولايات المتحدة بعيداً عن الدول التي هم أنفسهم يحكمونها.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» ـ خاص لـ «البيان»