حادثة فردية، لكنها تحولت إلى أزمة دبلوماسية وضعت بريطانيا في موقف صعب، اضطرت فيه إلى التأسف عما جرى، ذلك لأن الطرف المضار وهو الهند اعتبر تلك الحادثة الفردية إهانة جماعية موجهة ضد شعبه وكرامته.

القصة جرت في إطار برنامج «الأخ الأكبر» وهو من تلفزيون الواقع تقدمه القناة الرابعة البريطانية، ويضم عدداً من المتسابقين الذين يعيشون حياتهم تحت بصر الكاميرات وعيون المشاهدين. كل حركة تصدر منهم يتم تصويرها ورصدها، وكل كلمة يتفوه بها أحدهم تجد من يسمعها ويترصّد لها، ويتوقف بقاء المتسابق أو إبقائه على موقف جمهور المشاهدين منه.

ومن بين المتسابقات كانت النجمة السينمائية الهندية شيلبا شيتي إلى جانب ثلاثة من المتسابقين البريطانيين وهم: جو اوميرا «عضو سابق في فرقة سي كلوب 7»، ودانييل لويد «ملكة جمال إنجلترا السابقة»، وجايد جودي «ممرضة أسنان بريطانية»، ويعرف عنها الغباء الشديد والتفاهة والغلظة التي تصل إلى حد الجلافة، على حد وصف البريطانيين لها. ويشارك أيضاً في البرنامج جيرمين جاكسون الأخ الأصغر للمغني الأميركي مايكل جاكسون.

وفي إطار المسابقة، والتنافس والغيرة أيضاَ وجهت جايد جودي عبارات مهينة إلى الممثلة الهندية مثل قولها: «تلك الهندية»، و«الكلبة» و«أنها تجعل جسمي يقشعر»، و«أنها يجب أن تروح في مصيبة إلى بلدها» و«أنها لا تستطيع حتى أن تتكلم الإنجليزية»، و«نخشى أن تأكل الطعام الذي تعده شيتي»، فلا أحد يعلم أين كانت هاتان اليدان»، و«عليك أن تعودي إلى الأحياء القذرة»، و«لا بد أن تعيش في كوخ في بلادها».

وعلى الفور هاجت الدنيا في الهند ضد بريطانيا، وتصدرت هذه الكلمات جميع برامج التلفزيون وصدارة الصحف، متهمة بريطانيا بالعنصرية والعداء، هذا في الوقت الذي كانت آلاف من رسائل الاستنكار تهطل على القناة المنظمة من جانب الجمهور البريطاني نفسه، كلها تندد بمسلك تلك الإنجليزية الغبية التي وصمت نفسها ومجتمعها بالعنصرية ضد الأعراق الأخرى، وطالب الجمهور بإبعادها من البرنامج تماماً.

ولكن لأن الهند دولة ذات كرامة وترفض مثل تلك الإهانات فقد خاطبت الحكومة البريطانية رسميا وطالبتها بالاعتذار عما جرى ـ رغم أنه موقف شخصي وليس رسمياً ـ وهو ما فعله جوردون براون وزير الخزانة البريطاني الذي كان يزور الهند لتوثيق العلاقات الاقتصادية.

هذه القصة بكاملها لا شك تجعلنا نرفع القبعات احتراماً للهند كشعب وحكومة، فالشعب تحرك وتظاهر ضد بريطانيا مندداً بما رآه عنصرية موجهة ضده، والحكومة مارست أقوى الضغوط ضد بريطانيا لما اعتبرته إهانة ضد واحدة من مواطنيها.

وإذا قارنا موقف الهند بمواقف كثير من دولنا العربية فسوف ندرك إلى أي مدى نحن كعرب ومسلمين مهانون ومهدرو الكرامة. فكثير من حكوماتنا لا تتحرك حينما يهان رعاياها في المطارات الأوروبية والأميركية، وتؤثر السلامة حينما يهان مواطنوها في الجامعات، وتلتزم السكوت عندما يهان ديننا علناً على شاشات التلفزيونات في أوروبا وأميركا. ولا تحسن استخدام ما بيدها من أسلحة وأدوات ضغط عندما يستدعي الأمر ذلك.

ولنا أن نتساءل: ماذا فعلت بعض حكوماتنا العربية لاسترداد رعاياها المعتقلين في غوانتانامو؟ وماذا كان الرد عندما وصف بوش المسلمين بأنهم فاشيون؟. ولماذا لم تتحرك ضد إهانات بابا الفاتيكان لرسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام؟

لقد استباحت كثير من تلك الحكومات العربية شعوبها فكان هيناً على الآخرين استباحتهم، وهم يعلمون أننا كالأيتام الذين لا يحميهم أحد، فكان سهلاً الإساءة إلينا كعرب ومسلمين، حتى صار العربي بلا ثمن وبلا قيمة أمام الخارج.

ولو أن الغرب استشعر أن العربي غال عند بعض حكوماته، وله ثمن داخل وطنه، لفكّر ألف مرة قبل الإقدام على التعرّض له والتعريض به.

وتلك ليست فقط مسؤولية الحكومات، لأن تلك الحكومات لها مصالحها وتوازناتها، ولكن المسؤولية تقع أيضاً على الشعوب، فلو أن الشعوب العربية تمسكت بحقوقها ودافعت عنها، وأجبرت الحكومات المستبدة على احترام حقوقها لصار لها ثمن داخل أوطانها واحتراماً في خارجها.

وهذا ما فعله الشعب الهندي، فقد تظاهر ضد بريطانيا وعبرت وسائل إعلامه عن غضبه، فتوافقت حركة الحكومة الهندية مع تحركه وغضبته، وعبّرت عن ذلك بقوة هزّت بريطانيا وهددت مصالحها عن قوة.

إن الشعوب العربية والحكومات العربية عليها أن تعي الدرس جيداً، وتتعلم من الهند امتلاك أدوات القوة وأهمية الحفاظ على الكرامة.