على الرغم من أن الغرب الأوروبي أولاً والأميركي ثانياً يسيطران على مقدرات العالم منذ القرن السادس عشر إلا أنهما بدآ يخافان من المستقبل في بدايات هذا القرن الواحد والعشرين. وتعود مخاوفهما إلى الأسباب الثلاثة التالية: الإرهاب الأصولي، انتشار أسلحة الدمار الشامل، صعود الصين الذي لا يقاوم. هناك خوف رابع لا يمكن الاستهانة به ألا وهو: اختلال المناخ وارتفاع درجة حرارة الأرض بشكل مقلق إلى درجة أنه لم يعد هناك من فصل شتاء في أوروبا.

فنحن نعيش في عز شهر يناير هنا في باريس وكأننا في فصل الربيع! الأمور أصبحت معكوسة، لم تعد هناك ثلوج ولا أمطار ولا برودة ولا من يحزنون، وهذه ظاهرة جديدة ولم نكن نعرفها هنا في فرنسا قبل عشر سنوات فقط. وبالتالي فهمّ المتغيرات المزعجة التي طرأت على المناخ والبيئة أصبح يخيم بشبحه على قادة الغرب بل ويشغل الحملة الرئاسية الفرنسية.

لكن لنعد إلى الكوابيس الأولى. كل الخبراء هنا يقولون إن همّ الأصولية الراديكالية سوف يظل كسيف ديموقليطوس مسلطاً على رأس الغرب طيلة العشرين سنة المقبلة على الأقل. وحتى بوش نفسه أصبح يعترف بأنه من المستحيل القضاء على الحركات الراديكالية في المدى المنظور.

وسبب ذلك يعود إلى مقدرة هذه الحركات على تعويض خسائرها وتجنيد عناصر جديدة في كل مرة. صحيح أن الغرب وجه ضربات موجعة للقاعدة في أفغانستان واعتقل مئات العناصر في أوروبا وأميركا وآسيا، ولكن المدد لا ينفد، صحيح أن التعاون المخابراتي الأميركي ـ الأوروبي بل وحتى الروسي والعربي وسواه تقدم كثيراً بعد 11 سبتمبر ولكن العناصر الراديكالية تعرف كيف تتعامل معه وتتأقلم من جديد لكي تتحاشى مخاطره بأي شكل. ولكن الخبراء يعتقدون بأن الضعف الأساسي للغرب في هذه المواجهة الكبرى يتعلق بمعركة الأفكار. فقادة الأصولية الراديكالية يعرفون كيف يستغلون يأس الشبيبة العربية الإسلامية وإحباطاتهم من أجل التعبئة الإيديولوجية ضد الغرب (الكافر النجس).

وبما أن الغرب يتبنى حرية التعبير ويعتبرها مقدسة فإنه سمح لهؤلاء القادة في تهييج الجماهير ضده إلى أمد قريب، بل وحتى داخل عواصمه بالذات! فإنجلترا لم تمنع هذه التظاهرات الحاشدة والخطابات النارية الحامية لقادة الأصوليين إلا بعد تفجيرات لندن. وقل الأمر ذاته عن هولندا التي لم تتحرك إلا مؤخراً ضد أتباع هذا التيار المتشدد. عندئذ عرف الغرب أن لحرية التعبير والتفكير حدوداً لا ينبغي تخطيها وإلا أدى ذلك إلى زعزعة المجتمع عن طريق أعمال عنف دموية وارتكاب ما لا يحمد عقباه.

ولكن خبراء الغرب الذين يقولون هذا الكلام أو يكتبونه في مؤلفاتهم التي تصدر تباعاً يقولون لك نصف الحقيقة وينسون نصفها الآخر. ونقصد بالنصف الثاني الوضع المزري اجتماعياً وسكنياً وإنسانياً لعدد كبير من أبناء الجالية الإسلامية في الغرب. وقد تجلى ذلك على أوضح صوره في انتفاضة الضواحي الباريسية والفرنسية عموماً.

فلو أن دول الغرب اهتمت بهذه الجاليات وضواحيها المهمشة والمهملة لما استطاع فقهاء الظلام أن يصلوا إلى أبنائها ويحشوا رؤوسهم حشواً بأفكار القرون الوسطى والحقد على الآخرين الذين يعيشون بين ظهرانيهم. وبالتالي فالمسؤولية مشتركة أو متبادلة ولا تقع على طرف واحد.

وهذا ما يعترف به المثقفون النزيهون في الغرب. ولكن خبراء اليمين أو اليمين المتطرف يسدلون عليه ستاراً كثيفاً من الصمت ويركزون فقط على ما يدعونه بتعصب المسلمين! وهكذا يعفون أنفسهم من المسؤولية وهم يتجاهلون ان أغلبية المسلمين مسالمون ووسطيون لا يبحثون إلا عن لقمة العيش لهم ولأولادهم. يضاف إلى ذلك أن مثقفي الغرب ذوي الاتجاه العنجهي المتعصب يرفضون أن يأخذوا أسباب العنف بعين الاعتبار.

ونقصد بها عدم إيجاد أي حل شبه عادل أو حتى ربع عادل لقضية فلسطين، وعدم مساعدة الدول العربية والإسلامية على الخروج من أزمتها الاقتصادية المتفاقمة التي أدت إلى تجويع الملايين أو وضعهم تحت مستوى خط الفقر المدقع بواسطة عولمة رأسمالية شرهة لا تشبع.

وفي ذات الوقت تلاحظ هذه الجماهير الجائعة من خلال الفضائيات كيف تعيش شعوب الغرب في الرفاهية والبحبوحة والبطر، أما الكابوس الثاني الذي يسيطر على الغرب وقد يشغله طيلة ربع القرن المقبل، فهو خطر انتشار الأسلحة الفتاكة وحصول دول عربية وإسلامية عديدة على القنبلة الذرية. لا ريب في أن إيران هي الشغل الشاغل الآن، ولكنها ليست الوحيدة على عكس ما نظن. فما الذي سيحصل للقنبلة الباكستانية إذا ما اغتيل مشرف، ووصل الأصوليون إلى سدة السلطة في إسلام آباد؟ مجرد طرح هذه الاحتمالية يرعب الغرب فعلاً ويقض مضجعه. هذا دون أن نتحدث عن الهند.

وماذا ستفعل تركيا إذا ما حصلت إيران على القنبلة الذرية؟ هل ستبقى مكتوفة الأيدي؟ وماذا ستفعل مصر أو السعودية؟ ومن يستطيع منع كل هذه الدول الكبرى في منطقة الشرق الأوسط من امتلاكها أيضاً؟ عندئذ سندخل في عالم مليء بالمخاطر ولن يستطيع بوش ولا أبو بوش أن يمنع الأمور من الانفلات.

أما فيما يخص قضية فلسطين فلا يستبعد الخبراء حصول تغير إيجابي عن طريق إقامة دولتين إلى جانب بعضهما البعض خلال العشرين سنة المقبلة أو حتى قبل ذلك. نقول هذا على الرغم من كل الألغام والصعوبات التي لا تزال تعترض قيام دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل. هناك خطر آخر يرعب الغرب: هو حصول منظمة (القاعدة) على أسلحة الدمار الشامل الفتاكة واستخدامها ضد إحدى العواصم الكبرى في أوروبا.

وعندئذ تصبح قضية 11 سبتمبر مجرد مزحة بسيطة لأن الضحايا هذه المرة سيكونون بعشرات الألوف وربما مئات الألوف. وعندئذ لن يعرف أحد ما الذي سيحصل، فربما انطبقت السماء على الأرض! وذلك لأن رد فعل الغرب سيكون مرعباً وساحقاً وربما أدى إلى تدمير الملايين إذا لم يستطع السيطرة على أعصابه.

لكن دعونا من هذا الكابوس الجنوني المرعب وللننتقل إلى الصين. لا ريب في أن الغرب بدأ يحمل همّ الصين ويحسب لها الحساب. فخلال العشرين سنة المقبلة قد تصبح الصين القوة العظمى الثانية في العالم. وعندئذ تحل محل الاتحاد السوفييتي في مواجهة أميركا. فهي الآن في طور تحديث جيشها العرمرم وتقوية اقتصادها واستيراد التكنولوجيا المتطورة من أوروبا. وإذا ما سارت الأمور على ما يرام فيا ويل أميركا منها عام 2025: أي غداً أو بعد غد... وإذا ما نشبت الحرب بين أميركا والمارد الصيني فإن مصير البشرية كلها يصبح على كف عفريت.

ولكن لا ينبغي أن ننسى الهند، ذلك العملاق الآسيوي الآخر، المجاور للصين. فآخر الأخبار تقول لنا إن كتب التاريخ الهندية ما عادت تقدم صورة مسالمة، وديعة، عن زعيمها الأكبر: غاندي. وهذا دليل على أنها ابتدأت تحضر نفسها لعصر الهيمنة والجبروت. وبالتالي فالآتي أعظم. هناك شيء واحد مؤكد على أي حال: هو أن هيمنة الغرب الأوروبي والأميركي على العالم سوف تنتهي لأول مرة في التاريخ لكي تحل محلها الهيمنة الآسيوية والعرق الأصفر، أو قل لكي تحل محلها هيمنة عدة أقطاب لا قطب واحد. لكن هذه مجرد تنبؤات عامة يقوم بها علم المستقبليات بناء على معطيات حالية قد لا تعطي ثمارها لاحقا. فالتاريخ طالما انحرف عن مساره المتوقع وفاجأنا بأشياء لم تكن في الحسبان.

باريس