من بين خمسة رؤساء للجمهورية في العراق منذ عام 1958، فان هناك اثنين فقط منهم لم يقضوا قتلا بل ماتوا ميتة طبيعية، الأول عبدالرحمن عارف شقيق الرئيس العراقي الأسبق عبدالسلام عارف واحمد حسن البكر الذي أقصاه صدام حسين عن السلطة في عام 1979.

واذا ما اضيف إلى ذلك، نهاية العائلة الهاشمية في انقلاب 1958، فان الاستثناء هنا في نهاية رؤساء العراق، يؤشر لقاعدة حكمت تاريخ العراق الحديث والقديم: دورة دم مستمرة.

من منظور تاريخي محض، فان بناء عراق ديمقراطي ومستقر، يقتضي ان تتوقف هذه الدورة الدموية التي ظلت تحكم تاريخ العراق. ولن يكون ذلك ممكنا الا بوعي يرتقي فعلا فوق الجراح العميقة في تاريخ العراق لكي يكون بناء عراق ديمقراطي وحديث أمرا ممكنا وواقعيا.

لم يثبت التاريخ يوما ان مهمة كهذه يمكن ان ينهض بها قادة من طراز عادي، بل على العكس تماما قادة استثنائيون حقا. واذا ما احتكم اي زعيم عراقي او قوة سياسية أو اجتماعية لهذه القاعدة وتمثلها أو لم يتمكن من كسرها او الخروج عليها، فان تقدم السنوات وتعاقب الحكام لن يفعل سوى مراكمة ميراث الدم هذا في العراق.

انها مفارقة حتما، فموت الرؤساء في العراق دوما موت معلن وشاخص ومجسم إلى ابعد الحدود والصورة تلعب دورا كبيرا ومحوريا فيه. لقد سحل الوصي على العرش ورئيس الوزراء الأسبق في العهد الملكي نوري السعيد في الشوارع، وهذه تكاد تكون خاصية انفرد بها العراق عندما يصبح اتصال الجماهير والحشود بمشهد الموت حسيا إلى ابعد الحدود.

اما عبدالكريم قاسم، فقد عرضت جثته في التلفزيون الحكومي على مدى ثلاثة أيام فيما يقوم جندي بصفعه والبصق عليه لإقناع سكان بعض إحياء بغداد وخصوصا حي الثورة (الصدر حاليا) الذين ظلوا يقاتلون الحرس القومي في انقلاب 1963 لمدة ثلاثة ايام ان قاسم مات. وفور استلام البعث للحكم في انقلاب يوليو 1968، استهل قادة الانقلاب عهدهم بإعدام ستة أشخاص اتهموا بأنهم أعضاء في خلية تجسس لصالح إسرائيل وعلقت جثثهم في ميدان عام لمدة أسبوع.

صور إعدام صدام حسين بغض النظر عن ملابسات التصوير ورداءة الصورة ومن بعده برزان التكريتي وعواد البندر التي عرضت في التلفزيون الرسمي، تذكرنا بتلك الصور وتأتي في السياق التاريخي نفسه جزءا من هذه السلسلة المتصلة من الدم في تاريخ العراق.

لا يتعلق الأمر هنا بالحكم على الشخوص الذين طالتهم هذه السلسلة وما إذا كانوا اشرارا ام طيبين او الحكم على سجلهم في الحكم، بل بهذه الخاصية العراقية التي حكمت تاريخ العراق الحديث، اي سلسلة الدم والثأر المستمرة. من هذه الزاوية التاريخية فقط، فان النتيجة الوحيدة التي ستقفز إلى الأذهان هي ان شيئا لم يتغير في العراق. بل إنها باتت تنذر بالأسوأ لأنها اكتسبت طابعا جديدا الآن. فإذا كانت صراعات العراق السياسية في العقود الماضية منذ سقوط الملكية وحتى اليوم هي صراعات سياسية بين أحزاب، فإنها اليوم اكتسبت بعدا مذهبيا يجري تكريسه دون هوادة من قبل الفرقاء أنفسهم.

والمؤسف هنا ان بعض الفرقاء اليوم الذين يقودون العراق في هاوية الحرب الطائفية باتوا هم الذين يديرون الدولة والحكومة وأصبحوا أطرافا في الانقسام وليسوا فوقه او على أطرافه حتى. وهذا مؤشر خطير جدا: العراق يفتقد لرجال دولة.

لقد جاء الأميركيون إلى العراق وهم يحملون مشروعا للتذابح الأهلي راحوا يطبقونه بعماء ايديولوجي ليس له نظير. الخطأ الأكبر الذي ارتكبوه لا يرتبكه الا الإيديولوجيون. اعادة بناء العراق من الصفر. إعادة بناء مثال ايديولوجي جديد لا يمت لما سبقه المليء بالشرور بأي صلة. لعل هذا يجد تفسيره في الدعاية الأميركية التي كانت تركز على مدى سنوات على جعل العراق «نموذجا للديمقراطية» لدول المنطقة.

ان حل أجهزة الدولة وحل الجيش واجتثاث البعث علامات على هذا التفكير المؤسس على بناء جنة جديدة على أنقاض جحيم مليء بالشرور. ان في هذا تبسيط يفترض ان العراق بكل ما فيه من أجهزة حكومية وخبرات ومعرفة لم يبنيه إلا صدام حسين وحزب البعث، أما النتيجة فهي حاضرة اليوم والتساؤلات الأولى حول أسباب حل الجيش وحل أجهزة الدولة كلها لقيت إجابات واضحة وشافية على لسان السيد جورج دبليو بوش: إستراتيجية جديدة للعراق تقضي بإرسال مزيد من القوات. اما السبب: مواجهة مخططات إيران في العراق والمنطقة. على هذا فان العراق ليس مرشحا الا لكي يكون ساحة حرب.

في التحليل النهائي، يمكن القول دون تردد ان العراقيين لم يتركوا وحدهم لكي يتدبروا أمورهم بعد إسقاط صدام حسين، وابعد من هذا، فان كل عوامل التأزيم في العراق اليوم جاءت من خارج العراق لكن بفعل الاحتلال بالدرجة الأولى. لكن هذا الاستنتاج لا يعفي القادة العراقيين والأحزاب من مسؤولية تاريخية وكبيرة أيضا.

ان تنظيم القاعدة في العراق هو ثمرة الاحتلال بامتياز، واعتراف الأميركيين وبوش نفسه المتأخر بعدم وجود اي صلة بين النظام السابق وتنظيم القاعدة او عدم امتلاك العراق أسلحة دمار شامل لا يدحض حجج شن الحرب فقط، بل انه يقدم التفسير الاهم للكيفية التي ابتلع فيها العراقيون طعم الحرب الطائفية عندما جرى اختزال السنة العراقيين والمقاومة في تنظيم القاعدة. اما الرد على هذا الاختزال للأسباب الموضوعية التي تفسر نشأة المقاومة ودوافعها، فقد جاء بشكل يستجيب لخاصية الثأر الكامنة في تاريخ العراق الاجتماعي والسياسي وليس لمهمة بناء الدولة: فرق الموت. والدم يستسقي الدم.

وفي نهاية المطاف، فان إستراتيجية بوش الجديدة في العراق لا تقدم الا الأجوبة التي ظل يشيح عنها الأميركيون والقادة العراقيون أيضا منذ ان أعلن الأميركيون عزمهم على غزو العراق: لم يبن العراق الجديد، النموذج الذي يحتذى به في المنطقة بل تحول إلى نموذج آخر مرعب لكل دول المنطقة.

رفع من حدة التوترات الطائفية في المنطقة وبات نموذجا شاخصا في الكيفية التي يمكن ان يسهم فيها التعصب الايديولوجي والنزعات المذهبية وغياب البصيرة والرؤية التاريخية وغياب رجال الدولة الحقيقيين في الانزلاق بكل سهولة إلى اتون الحرب المذهبية.

كاتب وصحافي بحريني