ليس بجديد القول إن ما يسمى «بالليبراليين الجدد» قد اختطفوا الإدارة الأميركية في سنواتها الست الماضية، وتحديدا بعد مجيء الحزب الجمهوري إلى سدة الحكم. والذين ازداد نفوذهم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وعلى الرغم أن البادئة الإنجليزية لا تعني الجديد بالضرورة وهي في ذلك مختلفة عن معنى الكلمة الإنجليزية new للكلمة الجديدة ومع ذلك بتنا نطلق على أي شكل من أشكال الانحراف عن النص لأي تيار new أو اتجاه سياسي أو اجتماعي على أنه جديد، بمعنى أن ما يقدمونه يعتبر إضافة جديدة أو فهما جديدا لحالة قائمة، كما هي في كل حالات التيارات الجديدة، إضافة إلى تياراتها القديمة فهما ومعرفة جديدة.

كما هي في حالة الكلاسيكية الجديدة أوالكاثوليكية الجديدة أوالكنزية الجديدة أوالماركسية الجديدة أوالرومانسية الجديدة، وغيرها. والتي أضافت في عمومها وعيا وإدراكا جديدا في فهمها للحالة أوالمسألة المعاشة. وبشكل عام فإن هذه التسمية غالبا ما تطلق على أي جماعة منشقة عن التيار أوالجماعة الأصلية والتي قد تقود محاولة التغيير في داخل الجماعة الفكرية والسياسية. وحتى تأخذ هذه الجماعة هذه التسمية لا بد من أن تحدث طلاقا بائنا عن الحالة الفكرية أوالسياسية التي كانت عليها في السابق، وأن تكون قادرة على خلق توافق وقبول متنام لها في أوساط الجماعة السابقة أوغيرها.

وفي حالة الليبرالية الجديدة والتي أطلقت تحديدا مع وصول بوش الابن لرئاسة الدولة الأميركية، والتي تم بها تسمية مجموعة يمينية من الناحية الفكرية والسياسية داخل الحزب الجمهوري أحاطت برئيس الدولة وأثرت في مواقف وسياسات الولايات المتحدة الأميركية خلال السنوات الست الماضية، وهي تبدو في تقديرنا حالة قد تختلف في بعض تحولاتها عن الحالة البريطانية والتي بدا مركز الثقل فيها يميل للجانب الاقتصادي حتى أطلق على كل التحولات التي جاءت على بريطانيا في تلك الفترة بما فيها ولربما أهمها سياسات التخصيص وإضعاف النقابات العمالية وضرب المجموعة اليسارية القائدة لعمال مناجم الفحم وعلى رأسهم إسكاركل رئيس نقابات مناجم الفحم في الثمانينات وحرب الفوكلاند، بكونها تحولات الحقبة التاتشرية. ولم يأت ذلك بكونه حالة جديدة في الليبرالية البريطانية أو بليبرالية جديدة.

وفي اعتقادنا أن ما يسمى بالليبراليين الجدد في الحالة الأميركية المعاصرة لا تعدو كونها جماعة يمينية بدت في غاية التطرف من الناحية السياسية والفكرية. وكانت في حالتها أقرب إلى اختطاف الإدارة الأميركية منها إحداث تحول في الفكر والممارسة الليبرالية كما بدت في حالة مجتمع الولايات المتحدة الأميركية أو العالم.. وهي جماعة قد استطاعت أن تحدث تغيرا في سياسات الولايات المتحدة الأميركية حيال موقعين أساسيين لها في العالم: هما أوروبا والشرق الأوسط.

بل أن التغير في الحالة الأوروبية بدت متمثلة في محاولة استحداث البديل الأوروبي الجديد في شرقها عن أوروبا القديمة دائمة التمرد على سياساتها وتحديدا في كل من فرنسا وألمانيا وبشكل أدنى إيطاليا وأسبانيا. ألم يدع وزير الدفاع الأميركي السابق رامسفيلد، في ذروة غضبه على كل من ألمانيا وفرنسا في مواقفهما من الحرب على العراق، أوروبا الجديدة بلعب دور متصاعد على حساب ما أسماه بأوروبا القديمة. وقد أحتاج الأمر لبعض الوقت لكي ترجع بعض الحرارة في علاقاتهما، كما أن ملفات كل من لبنان وسوريا قد قربت بينها، أي الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وألمانيا.

إلا أن كل ذلك لم ينس الرئيس الفرنسي المغادر بعد بضعة أشهر كرسي الرئاسة الفرنسية، من أن يعلن عن سوء إدارة الولايات المتحدة الأميركية لملفات الحرب على العراق والإرهاب، والتي كما يقول في خطابه للدبلوماسيين الأجانب الأسبوع الماضي لم يجن العالم منها إلا مزيدا من عدم الاستقرار.

وإذا ما كانت الولايات المتحدة الأميركية بدت قادرة بعض الشيء على تصحيح بعض الخلل في علاقتها بأوروبا القديمة، فإنها كما يبدو كانت بحاجة إلى إخفاق كبير في العراق وارتباك في العلاقة مع الملفات والسياسات الإيرانية في المنطقة وكلفة سياسية كبيرة جاءت على حساب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة ومصاحبات لم تنته من حرب تحرير الأسرى في لبنان، عند كل أطراف الحرب.

وقد يكون موقع القوة الأوربية وغياب إسرائيل في الحالة الأوروبية معجلا لتلافي خطأ في السياسة والاستراتيجيات، وهوأمر لا يبدو ممكنا في ظل تشرذم عربي على صعيد الدولة والمجتمع على السواء. رغم ما حمله تقرير بيكر-هاملتون من عناصر قد تعتبر إيجابية ورغم نعت الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر في كتابه الأخير؛ فلسطين: سلام لا تمييز عنصري، إسرائيل بكونها دولة عنصرية. وهي أمور ومواقف قد أثارت الهلع عند بعض أصحاب الرأي والقرار في إسرائيل من أن قدرا من التغيير سيأتي على المواقف والسياسات الأميركية في المنطقة، وهو أمر لم يحسن العرب استغلاله ولم يهيئوا أنفسهم لاستغلاله، فمر بينهم أو سيمر كمر السحاب.

وخلاصة القول أن الحديث عن الليبرالية الجديدة أو الليبراليين الجدد، ليس حديثا عن تحولات فكرية وأيديولوجية أساسية في الفكر والممارسة الأوروبية، بقدر ما هو إلا نزوع نحو تبني السياسات القائمة على رعونة القوة التي بدت في بعض حالاتها منفلتة من عقالها في مواقع جغرافية معينة في العالم ومنضبطة في مواقع أخرى.أي أنها لا تعدو أن تكون انقلابا على بعض مواقف الحزب الجمهوري التي في الغالب ما تكون محافظة، عن أن تكوّن طرحا ليبراليا جديدا. وهي سياسات قد جاءت على الولايات المتحدة الأميركية بقدر ليس بقليل من الضرر، قد دفعها في بعض المواقع نحو التصحيح وفي مواقع أخرى بدت عاجزة عن تحقيق ذلك، كما هي في الحالة العراقية، لأنها قد ابتغت من الآخر العراقي أو بعض العربي أن يكون مأمورا لا شريكا، فما كان منه إلا شامتا أو متفرجا على إخفاقاتها الكوارثية.

كاتب بحريني