نصوص اتفاق السلام السوداني رسمت بعناية لتؤسس لإنشاء سلطة مركزية أوتقراطية يتقاسمها حزب «المؤتمر الوطني» الشمالي مع تنظيم «الحركة الشعبية» الجنوبية. ومع وضوح هذه النصوص وعدم قابليتها للتأويل فضلت قيادات المعارضة الشمالية أن تغمض عيونها لتستسلم إلى وهم تخديري اسمه «التحول الديمقراطي».
فجأة استيقظت هذه القيادات من غيبوبتها حين استطاعت الحكومة الثنائية تمرير مشروع «قانون الأحزاب والتنظيمات السياسية» الذي يخول السلطة التنفيذية صلاحية شطب أو تجميد أي حزب أو حرمانه من المشاركة في الانتخابات إذا ارتكب فعلاً مناهضاً لاتفاق السلام.
لقد كان لدى الأحزاب الشمالية المعارضة ـ الأمة والاتحاد الديمقراطي والشيوعي وغيرها ـ أكثر من سبب وجيه لرفض اتفاق نيفاشا أو على الأقل المطالبة بتعديل أو تغيير بعض بنوده.
ابتداء كان على قيادات هذه الأحزاب أن تطالب بإصرار المشاركة في العملية التفاوضية التي أفرزت بروتوكولات الاتفاق الثمانية. على العكس من ذلك تماماً فإنه لم تصدر عنها احتجاجات جادة على إقصائها. بل بلغ الأمر برئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي السيد محمد عثمان الميرغني أنه صرح مرة بأن وفد «الحركة» الجنوبية برئاسة جون قرنق كان يفاوض حكومة «الإنقاذ الوطني» نيابة عن «التجمع» المعارض.
ومما يثير المزيد من الدهشة أن ما احتجت عليه هذه القيادات هذا الأسبوع بشأن ما ورد في قانون الأحزاب المشار إليه منصوص عليه بكل وضوح في بروتوكول قسمة السلطة ضمن اتفاق نيفاشا. فأحد بنود هذا البروتوكول يشترط على أي حزب أو تنظيم أن يعلن مقدماً تأييده لاتفاق نيفاشا والالتزام به وإلا حرم من دخول أي انتخابات عامة كانت أم رئاسية أم بلدية، ومصدر الدهشة هو أن القيادات المعارضة لم تصدر عنها أية إشارة بشأن هذا البند.
ثم ان هذه القيادات قبلت المشاركة في الحكم على أساس النسب المئوية التي حددها طرفا التفاوض ضمن نصوص الاتفاقية. وبناء على هذا السبب فإن الشريكين استأثرا لنفسيهما سلفاً بنسبة 80 في المئة من مجلس الوزراء والبرلمان المركزيين مع أن كلا منهما حزب أقلية في الشمال أو الجنوب تاركين نسبة 20 في المئة فقط لبقية القوى السياسية الشمالية والجنوبية معاً. وإذ شاركت هذه الأحزاب المعارضة بالفعل في مؤسسات الحكم على هذا النحو الهزيل فإنها اشتركت في إجازة مشروع الدستور القومي المبني على بروتوكولات اتفاق نيفاشا.
لقد كان على قيادات هذه الأحزاب أن تدرك مبكراً أن اتفاق نيفاشا ليس إنجازاً قومياً يتضمن تحولاً ديمقراطياً كاملاً وإنما هو مجرد صفقة سلطوية تجارية بين حزب شمالي واحد وتنظيم جنوبي واحد.
وبينما نرى الآن أحد أقطاب «الحركة الشعبية» يدافع عن قانون الأحزاب الجديد واصفاً إياه بأنه الخطوة الأولى نحو التحول الديمقراطي فإن من المفارقات أن قيادات الأحزاب الشمالية المعارضة ظلت تراهن على زعامة قرنق وكأنه البطل القومي الذي سيحقق التحول الديمقراطي الكامل للبلاد قاطبة بينما لم يكن للحركة الجنوبية في عهد قرنق وما بعده هاجس سوى تحقيق أقصى المكاسب لأهل الجنوب على حساب أهل الشمال.