ما حدث من تجاوزات في مظاهرات الطلاب أمام الجامعة العربية ببيروت بمقتل أربعة وجرح العشرات والمصاحب بفوضى الصخب السياسي لم يعد مجرد حركة معارضة لواقع راهن يراد تبديله ، فالواقع بما يفرزه من معطيات مادية انتزعت مساحاتها في الميدان السياسي المتفجر يشير إلى وقائع حرب إقليمية حقيقية بأدوات غير تقليدية تدور رحاها اليوم في بيروت التي تستيقظ كل يوم على وقع اقتتال داخلي. من يقف وراء مسلسل الفلتان الأمني ببيروت؟ ومن يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وتحديدًا إلى ما قبل «حرب يوليو الماضي»؟.فقد جاء موعد التصعيد الثالث عشية انعقاد مؤتمر باريس ، و«باريس 3» بات مرادفا لـ «تصعيد 3».

ما يجري في لبنان حقا هو ابتكار لهوية لبنان الجديد القائم على المواطنة والانتماء إلى لبنان الوطن الواحد الموحد بعيدا عن ارتهان اللبناني إلى قمقم الطائفية التي تفرخ اقتتالا داخليا على أساس إثارة العصبيات والانحياز الأعمى لمواقف دخيلة على حساب مصلحة الوطن والمواطن. فهذا البلد لا يحتمل توترات جديدة ، والشارع لا يجد من يضيف إلى سجلاته ورقة تدون وقائع حرب أهلية.. فحينها لا يكون لبنان وطنا بهوية.

فهذا البلد يشتعل بنيران احتقان سياسي وصل إلى بيروت ، والشارع الذي يدون ذكريات الحرب الأهلية المدمرة لعقود مضت قد لا يجد في صفحاته المعبأة ورقة بيضاء واحدة تتكفل بتسجيل وقائع النزال القائم بين الحكومة والمعارضة.

وهاهي الإستراتيجية الجديدة تسعى إلى تعميم آفة الطائفية انطلاقا من العراق ولبنان وفلسطين بأشكال متماثلة ولكن الغاية واحدة. وهي تفتيت الأنظمة الحالية إلى أنظمة مذهبية وطائفية حتى يسهل التلاعب بها وتأليبها ضد بعضها البعض وإشعال حروب إقليمية لن يكون المستفيد منها سوى أعداء الأمة العربية.وأمام هذا الوضع العام ستكون نتيجة المواجهة في لبنان صورة مصغرة عن نتائج الإستراتيجية الأميركية الجديدة.

وأياً تكن آفاق المرحلة المقبلة، فإن التصعيد والتسوية يسيران على خطين متوازيين، مع احتمال أن يكون التصعيد فرصة للتسوية بعد وصول السلطة والمعارضة إلى الأبواب المقفلة، وبعد اضطرار الفريقين إلى فتح ولو باب واحد أو مسلك رافد لتمرير قطرات الحلول المقبولة خوفا من انهيار امني يأكل الأخضر واليايس. وهنا المخرج لن يكون مواتيا إلا من خلال خرق ما في الجدار السياسي المسدود من اجل فتح نافذة يمكن أن تتسرب منها حلول ولو كانت موجعة بعض الشيء بالنسبة لأطراف الصراع في لبنان.

يجب أن تكون مرحلة ما بعد هذا التصعيد فرصة لاستئناف الحوار والمشاورات من اجل إنضاج الحلول والمبادرات، خصوصاً أن هناك اتجاها عربيا يدعو إلى معالجة الأزمة اللبنانية بعيدا عن ما يجري في العراق وغزة واعتبار هذه الأزمة أزمة داخلية منفصلة عن أزمات المنطقة، وبالتالي فإن الحل لا يمكن إلا أن يكون لبنانيا بدعم عربي.

وهناك رأي دبلوماسي عربي يشير إلى أن هناك إجماعاً على ضرورة الفصل بين مشاورات المنطقة والحوار اللبناني ـ اللبناني بدعامة الجامعة العربية، لأن انتظار لبنان على المحطة الإقليمية الدولية قد يؤدي إلى اهتراء سياسي أمني ويسهم في خلق أجواء أمنية متوترة قد تتطور وتصل إلى حدود الانفجار الكبير. وبما أن الجامعة العربية تبدو غير قادرة على احتواء أي تدهور امني أو فتنة سياسية في لبنان، فإن الاتجاهات السياسية تدل على أن القوى النافذة عربيا ودوليا قد تضع كل ثقلها السياسي والمعنوي لتجنيب البلاد خطر الانزلاق في مثل هذه الفتنة.

لبنان بلد أحرقته الحروب ودمرت أمنه التحاليل السياسية.البلد العربي الصغير لبنان أكبر بكثير من أن يقف موقف الفاشل أمام مشاكله وهمومه كونه بلد العلم والأدب والثقافة. فالشعب عانى الكثير من جراء الحروب وويلاتها.وكبار السياسيين اللبنانيين من حكومة ومعارضة قادرون على قول كلمتهم التي ترضي شعبهم وتوجهاتهم لأنهم يدركون حقاً ماذا يعني السلام لهم خاصة أنه جاء بعد مخاض حرب أكلت الأخضر واليابس.