اعادت الاشتباكات التي وقعت يوم امس بين انصار الحكومة والمعارضة داخل جامعة بيروت العربية الى الاذهان الصور المأساوية للحرب الأهلية اللبنانية في منتصف السبعينات من القرن الماضي.

كان مؤلماً ان نرى الدماء تتدفق من رؤوس المصابين، وألسنة اللهب تخرج من المحلات والسيارات المحروقة، وأعمدة الدخان تخيم على اجواء العاصمة اللبنانية.

هذه ليست بيروت الجميلة التي أعيد بناؤها من جديد، من عرق اللبنانيين وقوت يومهم، لكي تصبح عروس الشرق، وتحتل مكانها بقوة وسط شقيقاتها العربيات، تضج بالحياة، وتبشر بمستقبل اقتصادي وثقافي وسياسي تعددي يعكس التعايش بين مختلف الاعراق والطوائف والاتجاهات في أبهي صوره.

الشعب اللبناني، بطوائفه كافة، يدفع ثمن الانتصار الكبير الذي حققته مقاومته على العدو الاسرائيلي، وهو الانتصار غير المسبوق في التاريخ العربي الحديث. فبعد عدوان استمر 34 يوما اضطر الاسرائيليون بعدها للقبول بوقف اطلاق النار دون ان يحققوا ايا من اهدافهم في استعادة اسراهم او احتلال شريط عازل جديد في الجنوب اللبناني.

اعداء لبنان والأمة العربية بأسرها يريدون ضرب الوحدة الوطنية اللبنانية والاجهاز على المقاومة، من خلال خلق أوضاع غير مستقرة على الارض، واشعال فتيل الحرب الاهلية مجددا، هكذا فعلوا عندما كانت المقاومة الفلسطينية في ذروة عطائها، وهكذا يفعلون عندما عجزوا عن اجهاض المقاومة اللبنانية وتدجينها.

كنا نتمني ان يتبصر اللبنانيون، حكومة ومعارضة، بالاخطار المحدقة ببلدهم، وطبيعة المخطط المرسوم لتضخيم العنصر الطائفي، وتعميق الكراهية بين ابناء الدم الواحد، ولكن تمنياتنا لم تكن مطلقا في محلها. واصبح العناد هو سيد الموقف.

المعارضة اخطأت عندما لجأت الى الشارع، والحكومة ارتكبت خطيئة اكبر عندما تمسكت بموقفها، ورفضت تقديم تنازلات تؤدي الى انجاح الحوار، وتنفيس الاحتقان، واحباط المخطط التدميري الذي تقف خلفه قوى خارجية.

ليس هذا هو الوقت المناسب لتوجيه الاتهامات، وتحميل هذا الطرف او ذاك مسؤولية ما حدث، وهو كبير وخطير ومرعب بكل المقاييس، فالكل يتحمل جزءا من المسؤولية، حسب حجمه ودوره، وليس هناك طرف بريء تماما، او مذنب كلياً.

لقد احسن السيد حسن نصر الله زعيم المقاومة الاسلامية صنعاً عندما بادر باصدار فتوى تطالب جميع اللبنانيين باخلاء الشوارع وتركها للجيش، وفعل السيد سعد الحريري زعيم الأكثرية الشيء نفسه، عندما وجه نداء الى جميع اللبنانيين بضبط النفس والحفاظ على الممتلكات العامة.

هذه الروحية التي تعكس حرصا ومسؤولية، هي التي يجب ان تسود لبنان وتكون اساسا للعودة مجددا الى طاولة الحوار، واستكمال ما تم انجازه في جولاته الأولى، وبما يؤدي الى التوصل الى صيغة توفيقية تعيد التعايش في أفضل صوره بين كل مكونات المجتمع اللبناني.

فالمواطن اللبناني الفقير المطحون هو الذي يعاني من جراء هذه الاحداث وانعكاساتها السيئة على أمنه ولقمة عيشه، وبما يؤدي الى افقاره وزيادة معاناته، فالسياسيون الذين يتلاعبون بمشاعره وعواطفه بل ومظالمه، لا يتأثرون مطلقا، ويستمرون في العيش في قصورهم العامرة.

لا منتصر في هذه الحرب اللبنانية، ولكن هناك مهزوما واضحا وهو لبنان وابناؤه الذين يستحقون حكومة افضل واكثر مرونة وتفهما واستقلالية ومعارضة اكثر انضباطا ومسؤولية واستقلالية ايضا.