مؤسف وخطير بل يدعو الى الغضب هذا الذي جرى في بيروت يوم امس والذي اراد له المخططون ان يشكل بداية لحريق كبير يدرك اللبنانيون قبل غيرهم وبما يتوفرون عليه من تجربة دموية مريرة راكموها بدمائهم ومستقبل بلدهم وشعبهم.
ان الذي سيدفع فاتورة المواجهات والقتل والتخريب وتعطيل اسباب الحياة هم انفسهم وليس احداً غيرهم وخصوصاً اؤلئك الذين يذكون نار الفتنة ويصبون الزيت على النار ويتركون لانصارهم وازلامهم ورهط الغوغاء ان يزرعوا قلب بيروت بالنار والدمار وان يشعلوا الحرائق في المباني والسيارات وان يستهدفوا الطلبة ودور العلم وان يذهبوا بعيداً في نشر الفوضى عبر قطع الطرقات واطلاق الرصاص على الجيش اللبناني يعني ان المراهنين على انزلاق لبنان الى الحرب الأهلية يوشكون على تحقيق غاياتهم وكم يبدو لافتاً هو اشتعال بيروت في يوم انعقاد مؤتمر باريس3.
إن أجواء الشحن المذهبي والطائفي والتحريض والعنف الكلامي وغير الكلامي والاحتقان السياسي المحمول على ازمة اقتصادية واجتماعية والانسداد الذي بات عليه المشهد اللبناني بعد الاصرار الاقرب الى العناد الذي تبديه اطراف المواجهة الحاصلة الان في لبنان تعكس في جملة ما تعكس هشاشة وخطورة الاوضاع في لبنان التي لا تحتاج إلاّ الى ''جهد'' قليل لاشعال فتيل الفتنة التي ستكون اكلافها ودمارها وتداعياتها اخطر وافدح بكثير مما كانت عليه الحرب الأهلية في سبعينيات القرن الماضي على نحو لا يمكن القياس عليه وخصوصاً بعد تغير الظروف وانهيار المعادلات والتحالفات والاصطفافات السابقة وبروز تحالفات اخرى على انقاض الاولى في ظل متغيرات دولية واقليمية عاصفة يصعب على احد اياً كانت حكمته وتجربته وحصافته ان يتكهن ''بالمديات'' التي ستصل اليها اذا ما ذرت الفتنة قرونها..
لا يحتاج اللبنانيون الى مزيد من النصائح والوعظ ورسائل التضامن او بيانات التأييد لهذا الطرف أو ذاك.. كل ما يحتاجون اليه هو إعمال العقل والمنطق وتوسل مقاربات وآليات وحلول قابلة للتنفيذ وتنال القبول من الجميع والعبقرية اللبنانية المشهود لها بابتكار الحلول واجتراح الصيغ قادرة حتى الان على ايجاد حل وسط يرضي الحكومة كما يرضي اطراف المعارضة على قاعدة الالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية وبالدستور والميثاق الوطني والعيش المشترك وعلى قاعدة التوافق الذي اعتمده اللبنانيون طوال الفترة التي تلت استقلال بلادهم في اربعينيات القرن الماضي دون اقصاء أو الغاء او شطب او تجاوز لهذه الطائفة أو تلك او هذا المذهب او ذاك ..
مواجهات يوم أمس كذلك اضراب يوم الثلاثاء بكل ما حفل به من اشارات ورسائل وما انطوت عليه ظروف السحب السوداء التي غطت سماء لبنان كله ، تقطيع اوصال الطرقات واغلاق المرفأ والمطار وسقوط قتلى وجرحى والمنحى الذي اتخذته في الفرز الطائفي المذهبي والاخطار والأعباء الكبيرة التي يتعرض لها وتنهض به المؤسسة العسكرية اللبنانية وما يمكن ان يجري استدراجه اليها يجب ان تشكل ناقوس الخطر وأن تحفز اللبنانيين وخصوصاً قادة الاحزاب واركان الحكومة والبرلمان للتحرك وتحمل مسؤولياتهم قبل ان تخرج الأمور على نطاق السيطرة ويعود لبنان الشعب الوطن للارتهان للفوضى والمجهول ويكرس ساحة لصراع الاخرين اقليمياً ودولياً على الأدوار والنفوذ.