مشكلة لبنان هي في التنوع الفكري والديني والطائفي والسياسي الكبير في بقعة جغرافية ضيقة لا يبدو أنها تتحمل وجود أفكار وطروحات متناقضة، ولذلك فإن المنطق يفرض أن يكون الحل اللبناني من أصل المشكلة،أي في إيجاد صيغة بعيدة عن الإلغاء والفوقية والأنانية السياسية، صيغة تعتمد على التكامل بدل التنافر بين الفرقاء اللبنانيين المختلفين.
ولعل نظرة شاملة سريعة على الموقف اللبناني تستطيع أن تفرز طرحين أساسيين: الأول يعتمد الاقتصاد ورغيف الخبز كحل وحيد للمشكلة اللبنانية وبالتالي فإن الفريق الذي تبنى هذه النظرة يوظف مواقفه وعلاقاته الداخلية والإقليمية والدولية لفرض هذا الحل على أنه الوحيد المقبول والممكن ضمن الإطار اللبناني.
والثاني يعتمد نظرة إيديولوجية وسياسية تضع لبنان ضمن إطاره العربي والإقليمي ولا ترى حلا إلا ضمن هذه النظرة الشمولية على أساس أن كثيراً من مشاكل لبنان ذات أبعاد إقليمية ودولية ولذلك لا يمكن حلها إلا ضمن ذلك الإطار.
ومشكلة الأطراف اللبنانية أنها تنظر إلى مواقفها على أنها مواقف متناقضة يجب أن يلغي أحدها الآخر من أجل الوصول إلى بر الأمان. لكن الحقيقة هي أن موقف كل من الأطراف اللبنانية الأساسية يكمل موقف الطرف الآخر.
فالحل الاقتصادي وحده لا يمكن أن يكون المخرج المثالي من أزمة لبنان، رغم أهميته البالغة، لأن إغفال الدور الإقليمي والدولي في الداخل اللبناني وعدم التعامل معه بشكل فعال وواقعي سيعيد لبنان دائماً إلى دائرة الصراع الذي يخسر فيه كل شيء ويهدم أي إنجاز اقتصادي قد تحققه سياسة اقتصادية ذات نظرة ضيقة.
والعكس صحيح أيضاً، فلا يمكن لأي رؤية سياسية أو إيديولوجية أو غير ذلك أن تنجح على الأرض ما لم يكن الاقتصاد اللبناني الرافد الأساسي لها، فالإنسان اللبناني، مثل أي إنسان آخر، بحاجة إلى رغيف الخبز وإلى الأمن والاستقرار في وقت واحد.
لذلك فإن خلاص لبنان لن يتحقق إلا إذا قبلت الأطراف اللبنانية المختلفة بمبدأ التكامل عوضا عن مبدأ الإلغاء، وعملت على تقديم تنازلات تحقق مصلحة الوطن اللبناني أولاً، والذي لا شك أن الغالبية العظمى من اللبنانيين بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم يسعون إلى وحدته وخيره واستقراره وازدهاره.
لقد أظهرت أحداث الأيام الأخيرة هشاشة الوضع الأمني في لبنان وربما كان في حكمة قيادة الجيش اللبناني الذي بقي على الحياد من أجل الوطن والمواطن حافز لباقي القيادات اللبنانية لتتبنى الحكمة في معالجتها للأمور من أجل لبنان واللبنانيين.