بعد كل الذي جرى، هل يمكن الإتعاظ للعودة الى التعقُّل؟ لقد أثبتت أحداث 23 يناير 2007 الحقائق التالية: - لقد سقط الشارع في ان يكون أداة ضغط لتحقيق الأهداف لأنه سرعان ما يتحوَّل الى اداة مذهبية تنفث سمومها في كل اتجاه.

- ان تفاوت موازين القوى في الشوارع يؤدي الى تفاوت في تحقيق الأهداف: ففي الشارع الأول كانت السيطرة مطلقة لأحد الأطراف الذي جاء انتصاره منقوصاً بسبب عجز حليفه عن ملاقاته في منتصف الطريق بالسيطرة المشابِهة على شارعه، ولأن الدعم ممنوع من شارع الى شارع يضيع انتصار الأوّل مع عجز الثاني عن تحقيق أي انتصار.

- هل حقق اعتصام وسط بيروت أيَّ انجاز حتى الآن؟ وهل حققت إنتفاضة الدواليب الغاية المرجوّة منها؟ - لقد تعمّق الشرخ بين المناطق، وداخل المنطقة الواحدة، وحتى داخل البيت الواحد، فالمواطنون من دعاة تعزيز الوحدة الوطنية لا الإنقسام.

ان الدروس والعِبَر التي يجب ان تُستخلَص من احداث 23 يناير يجب أن تُصوِّب الرماية في اتجاه العودة الى طاولة الحوار أو طاولة التشاور أو أي طاولة يتقابل فيها الاقطاب بدل ان يتقاتل الناس، وليختلفوا حول الطاولة قَدْر ما يشاؤون بدل ان يتراشق الناس بالحجارة حيناً وبالشتائم حيناً آخر وبالرصاص أحياناً.

ثم هناك ملفٌ لا بد من فتحه على عجل، مَن يُعوِّض على الناس ما تكبدوه من خسائر؟ مَن يُعوِّض على الطلاب هذا التعطيل المتمادي؟ من يُعوِّض على البلد فرص الإستثمار؟ مَن يضمن ان لا تعود المواجهة في الشارع مرة أخرى؟

لقد سئم الشعب من الأسئلة وصار ملحّاً في طلب الأجوبة، والأجوبة مطلوبة من الجميع.من الحكومة لتقول للناس كيف ستوفر لهم فرص البقاء؟ومن حارقي الدواليب ان يقولوا لباقي الناس الى أين سيأخذونهم؟

من 12 يوليو 2006 الى 23 يناير 2007، لم يعرف لبنان ولا اللبنانيون يوماً مريحاً، فإلى متى الإستمرار في هذه الدوامة؟ وهل كُتب على هذا الشعب ان يبقى داخل النفق وفي قلب العاصفة؟

لا يجوز ان يمر يوم 23 كانون الثاني كغيره من الأيام وكأن شيئاً لم يكن، إذ يُفتَرَض بالحكومة وبالمعارضة ان تُجريا تقويماً دقيقاً لِما جرى بغية عدم الوقوع في التجربة مرة ثانية، فالبلاد والعباد لم يعودوا يتحملون التجربة تلو التجربة، والشعب لم يعد قادراً على ان يكون حقل اختبار.

ليضع المسؤولون نُصب أعينهم ان الازدهار الوحيد في البلد حالياً هو ازدهار الهجرة التي لا يوقفها إلا شعور اللبناني ان ما يجده في بلده لا يمكن ان يعوض عنه في الخارج، فمتى يتحقق هذا الشعور؟