من غير الممكن المرور على المشهد الفلسطيني الدمشقي الأخير دون تقديم الشكر والامتنان للجانب السوري الذي بذل جهدا مضنيا، بلا شك، لإقناع رئيس السلطة الفلسطينية بلقاء رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، رغم الاعتقاد القوي السائد بأن ذلك اللقاء وما سبقه من لقاءات وتفاهمات بين طرفي الصراع الأساسيين على الساحة الفلسطينية لا يخرج عن إطار المجاملات وتقبيل الذقون على الطريقة العربية القديمة، التي لا تسمن ولا تغني من جوع في ظل غياب جوهر تلك العادات متمثلا بالنخوة والأصالة العربيتين بعد أن حلت محل الحطة والعقال قبعة «الخواجة» الذي ينظر إلى الأمور من منظار مصالحه وأسياده الضيقة دون الأخذ في الاعتبار ما يمكن أن تنزله تلك المصالح من مآس على الآخرين.
لقد كان، بكل المقاييس، مشهدا من تلك المشاهد التي تنتمي إلى ما يعرف بالكوميديا السوداء، فعلى حد علم الجميع فإن العلاقات الثنائية بين سوريا وفلسطين لا تشوبها أي شائبة منذ سنوات وأنه لم يعد هناك من خلاف بين القيادتين الفلسطينية والسورية وبالتالي فإن زيارة أبو مازن الأخيرة إلى دمشق لا يمكن إدراجها إلا في إطار الجهود المبذولة من قبل الكثيرين لجسر الهوة بين رموز السلطة الفلسطينية والحكومة الفلسطينية الحالية.
ولنا أن نتخيل لو أن الزيارة باءت بالفشل والرئيس الفلسطيني غادر الأراضي السورية دون تحقيق هدف الزيارة المتمثل بالدرجة الأساسية في لقاء مشعل في محاولة لإذابة الجليد الذي يكتنف علاقة الطرفين.
صحيح أنه لا يختلف اثنان على اعتبار أن اللقاء الفاتر بين قطبي الساحة الفلسطينية خطوة إيجابية بحد ذاتها، لكن الصحيح أيضا أن الابتسامات الذابلة لا تنطلي على أحد خصوصا بين أنصار كلا الطرفين الفلسطينيين، حيث لا مجال للشك بأن القطيعة واقعة لا ريب وذلك لأن حالة الاستقطاب والاصطفاف الفلسطينية ليست وليدة البارحة ولا اليوم، بل عمرها يقاس بأجيال متعاقبة ذاقت الأمرين من هيمنة طرف بعينه على واقع ومستقبل الشعب الفلسطيني.
في المشهد السياسي الفلسطيني المسائل لا تقاس بالتفاؤل والتشاؤم بل بالواقع الملموس وبالحقيقة الواضحة، اللذان يفيدان، بأن هناك طلاقا بائنا لا غبار عليه بين قوى المقاومة ورموز التسوية.. بين الناس العاديين وجيش من المجيشين في سلطة عاجزة حتى عن حماية نفسها.. بين حالة جماهيرية مكافحة وأخرى سلطوية أعمت الامتيازات المنحرفة بصيرتها قبل بصرها.
لقد شهدت الساحة الفلسطينية بامتداداتها العربية الرحبة الكثير الكثير من لقاءات اللحظة الأخيرة هذه وذلك على امتداد تاريخ القضية الفلسطينية وحتى قبل أن تتبلور بصورتها الحالية بعد أن أحكمت الحركة الصهيونية بدعم امبريالي عالمي قبضتها على الأرض الفلسطينية وأعلنت إنشاء الدولة العبرية، لكن تلك اللقاءات جميعا وما ينجم عنها من تفاهمات أو اتفاقات لا تستحق حتى ثمن الحبر الذي كتبت به، لأنها لا تخرج بأي حال من الأحوال عن الإطار الشكلي الذي لابد من وجوده بين أبناء الجلدة الواحدة، خاصة وأنه من حق أي مواطن عربي أن يطرح سؤالاً من نوع: إذا كان بمقدور اليد الفلسطينية أن تمتد لتصافح من تلطخت أياديه بدماء أبناء الشعب الذي ينتمي له صاحبها، أليس حريا بتلك اليد أن تمتد لتصافح شقيقتها الفلسطينية؟
الفلسطينيون يدركون تماما أن المسألة ليست بسيطة إلى هذا الحد بالطبع، فلو أنها كذلك فعلا لكان أبو مازن قد استجاب منذ اللحظة الأولى التي تبين فيها، على ضوء نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية الاخيرة، أن حركة حماس هي المؤهلة لتشكيل الحكومة الفلسطينية الحالية وذلك عندما اجتمع رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وفي جعبة الرجل الملتحي مقترح واضح وصريح خاص بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية المنشودة جنبا إلى جنب مع جميع القوى والفصائل والشخصيات التي وصلت إلى قبة البرلمان الفلسطيني.
bassil@albayan.ae