لاشك في أن الرئيس الموريتاني ولد محمد فال كان شجاعا إلى حد بعيد باعترافه بأن موريتانيا تعاني مشكلة «عبودية» وهو اتهام طالما نفته لعقود متوالية الحكومات المتعاقبة في موريتانيا. ومشكلة موريتانيا عينة ممثلة لمشكلات مماثلة تعانيها أقطار عديدة في العالم العربي بأشكال مختلفة وبدرجات حدة متفاوتة. فالصعود الكبير للأكراد في العراق بعد سقوط النظام البعثي جعل العالم العربي يبدو كما لو كان قد فوجئ بوجود أعراق متعددة في العراق: أكراد، تركمان، آشوريون..

ويمكنك أن تقول الشيء نفسه عن اتفاق ماشاكوس في السودان الذي قبل النظام السوداني بموجبه «اقتسام» السلطة والثروة مع الجنوبيين الأفارقة ليكون أول اعتراف عملي بأن السودان بلد ذو هوية مزدوجة عربية ـ إفريقية، وبدرجة أقل حدة تتصاعد وتخبو مشكلات أخرى مماثلة كالبربر في الجزائر والمغرب والأكراد في سوريا.

الحرب الأخرى في لبنان

والمشهد اللبناني الراهن مثال معبر تتجلى فيه كل سمات أزمة الهوية في العالم العربي فالصراع بين موالاة ومعارضة ليس صراعا بين هويتين بقدر ما هو صراع بين أجندتين سياسيتين والمفاهيم المتصلة بالهوية حاضرة بقوة في السجال بين الفريقين. غير أن المشهد الأكثر تعبيرا عن أزمة لبنان هو مشهد الصراع على المقررات الدراسية فكل حرب إنما تبدأ (فكرة) وكل مواطن إنما يختار موقعه من الاصطفاف السياسي بناء على اعتبارات، وتختلف دواعي هذا الاصطفاف نوعيا من دولة لأخرى.

ففي المجتمعات المستقرة التي لا تعاني صراعا على الهوية يكون الاصطفاف في المقام الأول بناء على «المصالح» أما المجتمعات التي تعاني «دوار الهوية» فيكون الاصطفاف السياسي فيها مرتكزا في المقام الأول على القناعات، وهو ما يحدث في لبنان الآن في خلفية المشهد السياسي.

فبينما تعصف بلبنان رياح صراع هو الأكثر حدة منذ الحرب الأهلية يدور صراع ثقافي أقل صخبا لكنه أبعد أثرا موضوعه المناهج الدراسية اللبنانية وصورة كل حقبة من حقب التاريخ اللبناني فيها (الشرق الأوسط اللندنية 1-11-2007)، وأطراف الصراع خرجوا من كتب التاريخ ليكونوا موضوع اصطفاف هو الأهم في الصراع على مستقبل لبنان، وهم: الفينيقيون والعثمانيون والفرنسيون!

والعودة إلى هذه النقطة عودة غير مسلحة لأجواء الحرب اللبنانية التي توقف خلالها تاريخ لبنان ولم يستأنف مسيره حتى الآن.

وتشكل مناهج التاريخ الساحة الأكثر خطورة بالنسبة لأمة تعاني «دوار الهوية»، فدروس التاريخ عبر العالم تخدم غرضين: تعليم الشباب وتشكيل الهوية الوطنية، لكن العجز عن بلورة هوية جامعة يجعل التاريخ أول عوامل التفرقة ومن ثم اشتعال الصراع الأهلي، ومع انتشار التوتر الطائفي مرة أخرى يخشى بعض العاملين في مجال التعليم أن الفشل في إعداد رؤية مشتركة لأحداث التاريخ تدفع الشباب إلى تكرار الماضي، حيث يتعلم معظمهم التاريخ المعاصر من أسرهم أو من زعمائهم السياسيين الذين ربما لديهم أجندة خاصة بهم.

والانقسام ليس هاجسا يمكن دفعه بل هو واقع ففي واحد من الكتب المدرسية يتعلم الطلاب أن العثمانيين محتلون، وفي كتاب آخر يقدمون للطلاب كإداريين. وفي بعض الكتب الأخرى يتعلمون أن الفرنسيين محتلون، وفي آخر يعتبرونهم مثالا يجب اتباعه. وفي بعض المدارس المسيحية يبدأ التاريخ مع الفينيقيين القدامى، الذين يعتقد الكثير من المسيحيين أنهم أسلافهم الأصليون، وفجر المسيحية. وفي عديد من المدارس الإسلامية يقلل من شأن الفينيقيين مقابل التركيز على التاريخ العربي ووصول الإسلام.

المستقبل كاستنساخ التاريخ

أول ما تعكسه هذه الأزمة أن التاريخ ليس سجلا لما حدث بالفعل في مكان ما بل بوصفه سيرة مقدسة لـ (السلف الصالح) وبالتالي فإن كل فئة من فئات الشعب في هذا المكان تريده تسجيلا لتاريخ الجماعة التي ينتمي إليها وغالبا يكون هذا التاريخ سجلا للمآثر. وعندما يكون التاريخ سجلا لمآثر «السلف» الصالح فإن امتلاك جماعة بعينها له يعني امتلاكها المستقبل حيث هو استنساخ لتاريخ هذا السلف الصالح، فالحرب هي على المستقبل، ومن خاض حربا ثقافية ليستبعد جماعة ـ أو جماعات ـ أخرى من التاريخ استبعادا تاما أو جزئيا لا شك في أنه مستعد لأن يستبعدهم سياسيا من المستقبل!

المشكلة إذن تتجاوز مجرد إثبات حقائق تاريخية أو محوها لتكون إصرارا عاطفيا متشددا على جعل المستقبل مجرد إعادة إنتاج للماضي وتشبثا مرضيا بالحق في احتكار الأولية، سواء كانت أولية الفينيقيين أو العرب المسلمين، وهنا يتحول التاريخ من سجل لما حدث إلى رؤية أيديولوجية لما نتمنى أن يكون، والتاريخ هو الميدان الأفضل لفرض التصورات: القومية أو الدينية أو المذهبية أو الأيديولوجية أو حتى الشخصية على الوجود إذ يصبح هذا الوجود مجرد مادة خام طيعة قابلة للتشكيل وفق تصور مسبق.

اعتراف وتغيير مؤلمان

المشكلة إذن في عمقها الحقيقي ثقافية وتربوية، وكما يقول المثل الإنجليزي «أعطني ابنك أربيه سبع سنوات ثم خذه وافعل به ما تشاء»، فالمفاهيم الأولية هي تحكم رؤية الإنسان وبناء عليها يصدر أحكاما ويصنف البشر والأفكار ويبني ولاءاته وعداواته، وفي بلد تلعب الطائفية فيه دورا كبيرا وتملك كل طائفة القدرة على التأثير في أعضائها بقوة من الخطر جدا أن يفشل أطراف الاجتماع السياسي في الوصول لرؤية جامعة لأن الدولة ليست مركزية تستطيع أن تحتكر لنفسها الدور الوحيد في بناء الهوية، ما يعني بناء ثقافات مزدوجة ونمو مشاعر سلبية تحت الجلد لن تلبث أن تنفجر.

وفي الحقيقة فإن الاعتراف بأن التاريخ ليس ملكا لطائفة أو جماعة بعينها أمر مؤلم، والتغيير المترتب عليه أكثر إيلاما. فالثقافة العربية الحديثة بعامة هي ثقافة أحادية فيها قدر كبير من الحدية وغياب الوسطية والعجز عن تقبل التعددية الثقافية، كما أن التقلبات السياسية العربية الحادة بين الحكم العثماني والاحتلال الأوروبي والتغريب الجامح الذي صبغ ثقافة نخبة التاريخ العربي الحديث ثم المشروع التحديثي المتعثر والاستخدام السلطوي الجائر للتاريخ في حقبة التحرر الوطني كل هذه عوامل تساندت لخلق حالة من حالات «دوار الهوية»انفجرت في العراق بعد سقوط النظام البعثي وتوشك أن تنفجر في لبنان.

ونسأل الله أن يفيق اللبنانيون من الدوار قبل فوات الأوان.

كاتب مصري