في ظل التهديدات الأميركية ومحاصرة الاتحاد الأوروبي وعقوبات مجلس الأمن الدولي بسبب البرنامج النووي وشبه العزلة الدولية التي تعاني منها الجمهورية الإيرانية الإسلامية، يبحث الرئيس أحمدي نجاد عن حلفاء وعلى الدعم الدبلوماسي من عدد من الزعماء اليساريين الذين تولوا السلطة في أميركا اللاتينية خلال الشهور والسنوات القليلة الماضية.
حلفاء يتقاسمون معه نفس الهموم والمشكلات ويعملون على رد الصاع صاعين لأميركا. رؤساء وحلفاء معروفين بانتقاداتهم لواشنطن ومواقفهم المعادية لأميركا وتبنيهم سياسات اقتصادية يسارية تقوم على التأميمات وإدارة الصناعات الاستراتيجية من قبل الدولة، الأمر الذي يقلق أميركا بدرجة كبيرة جدا.
الرئيس الإيراني وجد ضالته في نمو وتصاعد اليسار في أميركا اللاتينية لإنشاء حلف يجمع حوله الدول المناهضة للعولمة و«للإمبريالية الأميركية». القاسم المشترك بين محمود أحمدي نجاد وهوغو شافيز على سبيل المثال، هو أن كلا الرجلين غير مرغوب فيهما من قبل البيت الأبيض وأن كلا الرجلين يقفان بالمرصاد للسياسة الأبوية وسياسة القمع والإقصاء التي تنتهجها أميركا ضد بلديهما.
شافيز تحدى أميركا وما زال يتحداها حيث قام بتأميم الصناعات الاستراتيجية في البلد وعلى إقامة حلف اليسار المناهض للهيمنة الأميركية في أميركا الجنوبية. الحلف بدأ يتوسع بوصول اليسار الجديد إلى سدة الحكم في العديد من دول أميركا الجنوبية كالبرازيل والإكوادور ونيكاراغوا وبوليفيا وشيلي وبيرو.
هناك من يتساءل لماذا فكر ويفكر الرئيس الإيراني في زيارة «حلف اليسار» في أميركا اللاتينية ولماذا يفكر في إنشاء محور طهران كاركاس؟ يرى البعض أن الزيارة جاءت كرد فعل لكل من زيارة توني بلير وكوندوليزا رايس للشرق الأوسط لإنشاء قوة مضادة لإيران في المنطقة بهدف إيقاف طموحاتها، والهدف هنا هو تجنيد مجموعة من الدول الموالية لأميركا القريبة والمحيطة بطهران. وبنفس المنطق تحاول إيران أن تجد حلفاء لها وتشّكل قوة مضادة لأميركا في الحديقة الخلفية للعم سام.
من جهة أخرى يبحث الرئيس محمود أحمدي نجاد من خلال زيارته لحلف اليسار في أميركا الجنوبية عن قيادة العالم الثالث من خلال حركة عدم الانحياز. هذه الحركة التي يرى الكثيرون أنها انتهت بانتهاء القطبية الثنائية، بينما يرى بعض قادة العالم الثالث أمثال كاسترو وشافيز وغيرهم أن الحركة ما زالت تمثل الأحرار الذين يرفضون الاستسلام والانبطاح للعولمة في العالم الثالث. فإذا قارنا بين خاتمي وأحمدي نجاد نجد أن الأول زار أكثر من ثلاثين دولة وأعاد إيران إلى مسارها الصحيح في العلاقات الدبلوماسية.
بدأ الرئيس الإيراني جولته إلى أميركا اللاتينية من أجل البحث عن حلفاء تجمعهم وإيران مصالح مشتركة وأهداف مشتركة. فبدأ بكاركاس عاصمة فنزويلا، بلد هوغو شافيز المرشح بامتياز لخلافة الرئيس كاسترو، الذي يحتضر حاليا. هوغو شافيز بطل محاربة الامبريالية الأميركية اعتبر زيارة محمود أحمدي نجاد إلى فنزويلا رمزا لتحالف ثورتين ضد التسلط والجبروت والإمبريالية الأميركية في العالم. محمود أحمدي نجاد استقبل استقبال الأبطال في كاركاس ما يدل على دعم فنزويلا لإيران ومساندتها في سياستها الخارجية.
وبهذا يكون الرئيس الإيراني قد نجح في الحصول على الدعم الدبلوماسي من حليفه الفنزويلي خليفة كاسترو في قيادة مشعل محاربة الهيمنة الأميركية على المنطقة. هوغو شافيز يُعتبر من أهم حلفاء نجاد. لقد تعهد شافيز بإقامة نظام اشتراكي كما أنه أمم النفط والاتصالات والكهرباء وأهم الصناعات الاستراتيجية في بلاده، وأصبح من أشد المؤيدين لسياسات الرئيس محمود أحمدي نجاد الخارجية، كما انفردت فنزويلا في معارضة قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية في سبتمبر 2005.
وأعربت فنزويلا كذلك مرات عديدة عن مساندتها ودعمها لإيران في حقها في تخصيب اليورانيوم. فإلى جانب تعزيز العلاقات السياسية بينهما شرع البلدان في إقامة برامج اقتصادية مشتركة بينهما كإنشاء شركة «ايرانفنزويل» للتنقيب على النفط وتكريره وكذلك إقامة مشاريع مشتركة في دول أخرى في أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا. البلدان اتفقا على استثمار ملياري دولار في مشاريعهم الاقتصادية المشتركة.
المحطة الثانية للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد كانت ما ناغوا عاصمة نيكاراغوا حيث التقى أحمدي نجاد أحد الأعداء اللدودين للبيت الأبيض، دانيال أورتيغا. زعيم الساندينستا الذي عانى الأمرين على يد الأميركيين، الذين أطاحوا به، في سنة 1979 لكنه عاد للحكم في الفترة الأخيرة ليكون أحد حلفاء أحمدي نجاد حيث يجمعهم عدو مشترك يتمثل في أميركا. أورتيغا يُعتبر حليف أخر يُعوُل عليه محمود أحمدي نجاد لمواجهة أميركا وللحصول على الدعم اللازم لإيران في الملف النووي. أورتيغا كهوغو شافيز يؤمن بالاشتراكية كمنهج لإدارة الاقتصاد والسياسة في بلاده كما يؤمن بالبرامج الاجتماعية الموجهة للطبقات المحرومة في المجتمع. وهذا يعني أن أورتيغا سينتهج نهجا يقلق البيت الأبيض ويعود بنيكاراغوا إلى سنوات الاشتراكية والتأميمات والسياسة المناهضة للإمبريالية الأميركية.
أما المحطة الثالثة فقد قادت الرئيس الإيراني إلى كيتو عاصمة الإكوادور لزيارة رفايل كوريا، زعيم آخر، يساري معاد لأميركا وفاز بسدة الرئاسة مؤخرا. محمود أحمدي نجاد يحاول استغلال صعود اليسار الجديد في أميركا اللاتينية لمواجهة أميركا معتمدا على مبدأ «عدو عدوي هو صديقي» وانطلاقا من القواسم المشتركة التي تجمع البلدين، كالبحث عن تحقيق النمو والتطور والتقدم بعيدا عن املاءات الدول الكبرى وخاصة تدخلات الولايات المتحدة الأميركية في الشأن الداخلي وفي طريقة إدارة الأمور السياسية والاقتصادية للدول النامية. فإذا كانت أميركا تحاول فرض الحصار والخناق على إيران بمساعدة عدد من الدول الشرق الأوسطية، فإيران بدورها تحاول محاصرة أميركا من أرضية حديقتها الخلفية في أميركا اللاتينية.
إلى أي مدى سينجح محور طهران كاركاس في إقامة حلف إيراني أميركي لاتيني لمواجهة أميركا ورغبتها في تحديد كيفية إدارة الشعوب والدول لأمورها وشؤونها الداخلية؟ الرئيس الإيراني يواجه تحديات كبيرة جداً فهل يستطيع كسبها؟ وهل سينجح محور طهران كاركاس في مواجهة الدبلوماسية الأميركية؟
كلية الاتصال ــ جامعة الشارقة