تعتبر الديمقراطية في قيمها الأصلية وإجراءاتها المحددة محكا لاختبار مدى تأثير الاقتصاد على السياسة، بل تتعدى ذلك في بعض المجتمعات لتصل إلى النقطة التي يمكن عندها الإجابة على تساؤل مفاده: هل يصنع الاقتصاد السياسة؟، وهل هو الذي يسير دفتها ويحدد أهدافها؟. وهذا لا يعني بالطبع التسليم بأن الاقتصاد فقط هو العنصر الفعال في تركيبة الحياة السياسية ـ الاجتماعية، لكن القول بأنه العنصر الأكثر أهمية لا يجافي الحقيقة ولا يقفز على الواقع.
وعلاقة الاقتصاد بالديمقراطية تبدأ من المنشأ وتنتهي عند صناعة واتخاذ القرارات داخل المجتمع مرورا بتوزيع الأدوار والأنصبة أو الأوزان السياسية بين القوى التي تزاحم أو تتنافس أو تتكتل في سبيل أن تجد لها موقعا على خريطة صنع القرار.
وفي إطار تبادل المنافع بين الاقتصاد والسياسة، تعد التنمية الاقتصادية عاملا مسهلا لقيام نظم ديمقراطية، وذلك استنادا إلى عدة اعتبارات، منها أن التنمية الاقتصادية تقود إلى تغير في القيم المجتمعية يخدم التوجهات الديمقراطية. فالتنمية توفر قدرة على قيام عملية تعليمية شاملة، وتعميق التعليم يجذر في عقول المواطنين ونفوسهم قيم التسامح والاعتدال والعقلانية واحترام الآخر. كما أن التنمية الاقتصادية تؤدي إلى انتعاش الدخل القومي بما يحقق «الأمن الاقتصادي» للمواطنين، ويحد من «الصراع الطبقي» بينهم بما يمكنهم من تكريس وقت أطول لبلورة رؤية سياسية ذاتية.
وتساهم التنمية الاقتصادية كذلك في اعتدال موقف الطبقات الدنيا من الشرائح الاقتصادية ـ الاجتماعية العليا، بما يجعل الأخيرة تطمئن إلى أن الشرائح الدنيا لا تشكل خطرا عليها، وأنها تستحق ممارسة الحقوق السياسية ونيل نصيبها من القوة في المجتمع. كما أن الوفورات المالية التي تحققها التنمية تزيد من تواجد الطبقة الوسطى، التي تضفي بدورها طابعا وسطيا على التنافس أو الاختلاف السياسي عن طريق مساندة الأحزاب الديمقراطية والمعتدلة والتخلي عن الجماعات الراديكالية سواء كانت يسارية أو يمينية.
وتوافر الثروات المالية، أو على الأقل بلوغ حد الكفاية، يوسع هامش الاختيارات أمام الطبقة العاملة والمهمشين، بحيث يصبح بإمكانهم أن يستخدموا وسائل ضغط سلمية للحصول على حقوقهم ولا ينحدرون إلى التطرف السياسي. وفي المقابل فإن هذا يقلل من احتياج السلطات الحاكمة إلى استخدام «البطش» في مواجهة أي احتجاج من أجل الحفاظ على درجة مناسبة من الاستقرار.
علاوة على ذلك فإن التنمية الاقتصادية تتيح فرصا كبيرة لقيام العديد من الهيئات الاجتماعية التطوعية المستقلة «مؤسسات المجتمع المدني» والتي لا تكتفي فقط في بعض الأحيان بممارسة دور رقابي غير رسمي على أداء الحكومة، بل تشجع على قيام مشاركة سياسية، وتعمل جاهدة على إيجاد رأي عام يتمتع بدرجة مناسبة من الوعي والمهارات السياسية اللازمة لقيام نظام حكم ديمقراطي.
لكن عدم وجود ارتباط حتمي بين الديمقراطية واقتصاد السوق يصل إلى درجة «القانون العلمي» أو يقوم على قاعدة منطقية تؤدي مقدماتها إلى نتائج محددة ، لا ينفي أمرين مهمين تثبتهما الخبرة العملية، الأول هو أن الرأسمالية أثرت تاريخيا في أنظمة الحكم بما ساهم في ميلاد الديمقراطية، وأن النظم الديمقراطية تحمل مقومات أكثر من غيرها على تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية، وأن التحرر الاقتصادي قد لا يفضي بالضرورة إلى ليبرالية سياسية على المدى القريب لكنه قد يؤثر في ذلك المضمار على المدى البعيد، حال حياد العوامل الأخرى.
والأمر الثاني هو أن الاقتصاد كبنية وعمليات وإجراءات وعلاقات يؤثر على الديمقراطية من عدة زوايا، أولها تتعلق بتأثير الإنجاز الاقتصادي في العملية الانتخابية. فهناك اعتقاد شائع بين الساسة في العديد من الدول الديمقراطية، إن لم يكن في جميعها مفاده أن التركيز على الإنجاز الاقتصادي يمثل جواز مرور الحزب الذي يتولى الحكم إلى الجماهير، لأنها تصوت لصالح من يحقق لها درجة أفضل من الرخاء الاقتصادي. والعكس صحيح، فالجماهير تعاقب الحزب الذي يخفق في هذه المهمة عبر صناديق الانتخابات، ومن ثم تعتمد قدرة أي حزب سياسي على الاستمرار في السلطة على ما يحققه من رفاه اجتماعي.
والزاوية الثانية ترتبط بكون الاقتصاد يستخدم أداة لتشجيع الديمقراطية أو الحض عليها، إما بطريقة سلبية عن طريق تهديد الدول الديمقراطية الكبرى لنظيرتها غير الديمقراطية بقطع المعونات الاقتصادية أو فرض عقوبات أو تضييق الخناق عليها في المؤسسات المالية الدولية المانحة للقروض حتى تتخذ خطوات ديمقراطية، أو تعود إلى الديمقراطية إذا حدث ارتداد عليها، وإما إيجابيا عبر زيادة المعونات الاقتصادية والحصول على القروض والمنح.
أما الزاوية الثالثة فتتمثل في الدور الذي يعوله البعض على العولمة الاقتصادية في دفع مجتمعات ذات نظم حكم تسلطية أو شمولية إلى الديمقراطية. وقد اختبر باحثون أثر التجارة الدولية على التحالفات السياسية في بعض الدول، فألفوا أن التغير في معدل المكسب والخسارة الناجم عن حركة التجارة العالمية يؤثر على مصادر القوة للتحالفات الاجتماعية داخل الدول، ويوجد طبقة وسطى تجارية تكافح لتجذير قيم الديمقراطية، لأن هذا يحقق مصالحها، من خلال توفير مناخ من الاستقرار السياسي الذي يضمن لها مواصلة أعمالها وزيادة حجم أرباحها.
وفي المقابل، تخص الزاوية الرابعة ترسب قيم وإجراءات الديمقراطية داخل البنى الاقتصادية ذاتها، بحيث تكون الديمقراطية هي العنصر الفاعل والاقتصاد هو العنصر القابل أو المتلقي للفعل. وهنا يظهر مفهوم «الديمقراطية الصناعية» التي تعد من إفرازات التوجهات الفوضوية والحركة النقابية والنزعة الاشتراكية.
حيث مشاركة العمال في اتخاذ القرارات الخاصة بشروط العمل، مع بقاء السيطرة الفعلية في يد صاحب العمل. وقد استفادت الحركة النقابية بالفعل في دول عديدة من التوجهات الديمقراطية، حيث توفرت لها وسائل للتعبير الحر عن نفسها، وتمكنت من إجراء الانتخابات الداخلية التي تدفع إلى الأمام عناصر تحقق مصالح العمال سواء في مواجهة أرباب العمل أو التصلب أمام أي قرارات تتخذها السلطات ويرى العمال أنها تؤثر سلبا على مواقعهم ومكتسباتهم. وفي الدول التي تحكمها أنظمة تسلطية أو شمولية وجدت الحركة النقابية نفسها تعاني من آثار غياب الديمقراطية، حيث تدس الحكومة أنفها في الشأن النقابي لمنع وصول عناصر معارضة أو تدجين النضال النقابي، بما لا يسبب أي إزعاج للسلطة.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة