لا أدري لماذا لم يشأ مؤتمر التقريب بين المذاهب الإسلامية الذي اختتم في الدوحة أن يتبنى اقتراحاً من أحد أعضائه بأن يتوجه وفد مشترك من علماء المذهب السني وعلماء المذهب الشيعي إلى العراق بغرض إصدار نداء لوقف الاقتتال الطائفي.

أجل.. لقد سجل المؤتمر في بيانه الختامي إدانة لما يجري في العراق من حرب طائفية قد تؤدي إلى تفتيته، مع «صرف الانتباه عن العدو الحقيقي المتربص بالأمة» على حد قول البيان. ولكن ألم يكن من الأفضل لو اتبع المؤتمر الشجب النظري بإجراء عملي ميداني يرتقي إلى مستوى الفتنة الدموية الرهيبة المتصاعدة يومياً؟

إن لقضية التقريب بين المذهب السني والمذهب الشيعي ثلاثة أبعاد: فقهي وشعبي وسياسي، لكن البعدين الآخيرين لقيا اهتماماً أقل في مؤتمر الدوحة بالمقارنة مع البعد الفقهي. فقد كان أبرز وأهم بنود بيانه الختامي اقتراح بتشكيل مجمع علمي يضم علماء السنة والإمامية (بالإضافة إلى الزيدية والأباضية) ليعزز فكرة التقريب بين المذاهب ويرصد المعوقات والخروقات ويضع لها الحلول المناسبة.

ومع تسليمنا بوجاهة هذا الاقتراح وضرورته، إلا أنه لا يتصل بالمشكلة على المستويين الشعبي والسياسي.

إن معالجة الخلافات بين الفقهاء في الجانبين أمر سهل نسبياً، فهم يتجادلون على أساس علمي محدود ومحدد لأنهم ليسوا مختلفين على أصول الإسلام والإيمان، وإنما ينحصر الخلاف في مسائل فرعية.

الأمر مختلف تماماً على المستوى الشعبي، حيث يقع الاحتكاك بين الفئات الشعبية من الجانبين انطلاقاً من جهل بأصول الدين وفروعه، واستناداً إلى مفاهيم مغلوطة وشائعات تصدر عن قلوب مشبعة بالتعصب المبني على جهل تام أو جزئي.

أما على المستوى السياسي فإن هناك قيادات سياسية في البلدان الإسلامية على مستوى الحكم أو المعارضة، تعمد بدوافع الكسب السياسي غير المشروع إلى استغلال الجهل والتعصب على المستوى الشعبي، ومن هنا تكون الفتنة، حيث يستخدم السياسيون من هذا المذهب أو ذاك ما لديهم من أدوات تحريض لاستفزاز المشاعر الدينية لدى فريق ما ضد فريق آخر، بما في ذلك أسلوب التكفير والرمي بالردة.

مثل هذا كما نعلم ونرى هو الذي يجري في العراق، وقد تنتقل عدواه إلى أماكن أخرى.

واجب العلماء والفقهاء والمراجع من المذهبين السني والشيعي في هذا الصدد، هو إذن مخاطبة الفئات الشعبية بصورة مشتركة، وتشجيع قيادات الجماعات في الجانبين على توعية هذه الفئات بما يؤدي لإزالة الاعتقادات الخاطئة التي تلصق بالآخر، وما يؤكد على الأخوة بين المسلمين بصرف النظر عن انتماءاتهم المذهبية.

لكن المعضلة العظمى هي كيفية التعامل مع السياسيين ـ من أي من الجانبين ـ الذين يستثمرون الخلاف المذهبي عمداً.

في هذا السياق يتضمن البيان الختامي لمؤتمر الدوحة بنداً يناشد فيه المؤتمر حكام ورؤساء الدول العربية والإسلامية تعزيز جهود العلماء والمفكرين في سبيل تحقيق الوحدة وإقرار سياسة الحوار بين المذاهب الإسلامية. وبينما ليس من الإنصاف مطالبة مجموعة فقهاء في مؤتمر عابر بأكثر من المناشدة في هذا الصدد، فإني لا أدري كيف يمكن أن تفيد المناشدة وحدها في التأثير على الشخصيات المذهبية السلطوية في العراق مثلاً.

في مثل هذه الحالة ينبغي في تقديري تصعيد المناشدة إلى مستوى المحاسبة الحازمة من قبل علماء وفقهاء المذهبين معاً. وهذا يجب أن يكون أحد مهام المجمع العلمي المقترح.